فهرس الكتاب
بأَخْذِ حِذْرِهِم، فاسْتَأْذَنَ عُمَرُ فِي قَتْلِهِ، فَقَالَ: (( إِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا ) )، فَلَمْ يَقُلْ: إِنَّه لَمْ يَأْتِ مَا يُبِيحُ دَمَهُ، وإِنَّما عَلَّلَ بوُجُودِ مَانِعٍ مِنْ قَتْلِهِ، وهو شُهُودُه بَدْرًا ومَغْفِرَةُ اللَّهِ لِأَهْلِ بَدْرٍ، وهَذَا المَانِعُ مُنْتَفٍ في حَقِّ مَنْ بَعْدَه. ومنها ما خَرَّجَه أبو داودَ في (المَرَاسِيلِ) مِن رِوَايَةِ ابنِ المُسَيِّبِ, أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ ضَرَبَ أَبَاهُ فَاقْتُلُوهُ ) )ورُوِيَ مُسْنَدًا مِن وَجْهٍ آخَرَ لَا يَصِحُّ.
واعْلَمْ أَنَّ مِن هذه الأَحَادِيثِ المَذْكُورَةِ مَا لَا يَصِحُّ وَلَا يُعْرَفُ بِهِ قَائِلٌ مُعْتَبَرٌ، كحَدِيثِ: (( مَنْ ضَرَبَ أَبَاهُ فَاقْتُلُوهُ ) )، وَحَدِيثِ: (( قَتْلُ السَّارِقِ فِي الْمَرَّةِ الْخَامِسَةِ ) ). وبَاقِي النُّصُوصِ كُلِّها يُمْكِنُ رَدُّها إِلَى حَدِيثِ ابنِ مَسْعُودٍ، وذَلِكَ أَنَّ حَدِيثَ ابنِ مَسْعُودٍ تَضَمَّنَ أَنَّه لَا يُسْتَبَاحُ دَمُ المُسْلِمِ إلَّا بإِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: إِمَّا أَنْ يَتْرُكَ دِينَهُ ويُفَارِقَ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ، وَإِمَّا أَنْ يَزْنِيَ وهو مُحْصَنٌ، وإِمَّا أَنْ يَقْتُلَ نَفْسًا بغَيْرِ حَقٍّ.
فيُؤْخَذُ منه أَنَّ قَتْلَ المُسْلِمِ لَا يُسْتَباحُ إلَّا بأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: تَرْكِ الدِّينِ، وإِرَاقَةِ الدَّمِ المُحَرَّمِ، وانْتِهَاكِ الفَرْجِ المُحَرَّمِ، فهَذِهِ الْأَنْوَاعُ الثَّلَاثَةُ هي الَّتِي تُبِيحُ دَمَ المُسْلِمِ دُونَ غَيْرِهَا.
فَأَمَّا انْتِهَاكُ الفَرْجِ المُحَرَّمِ، فَقَدْ ذُكِرَ فِي الحَدِيثِ أَنَّه الزِّنا بَعْدَ الْإِحْصَانِ، وهَذَا -واللَّهُ أَعْلَمُ- عَلَى وَجْهِ المِثَالِ؛ فإِنَّ المُحْصَنَ قَدْ تَمَّتْ عَلَيْهِ النِّعْمَةُ بنَيْلِ هَذِهِ الشَّهْوَةِ بالنِّكَاحِ، فإِذَا أَتَاهَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ فَرْجٍ مُحَرَّمٍ عَلَيْهِ، أُبِيحَ دَمُه، وقد يَنْتَفِي شَرْطُ الْإِحْصَانِ، فيَخْلُفُه شَرْطٌ آخَرُ، وهو كَوْنُ الفَرْجِ لَا يُسْتَبَاحُ بِحَالٍ، إمَّا مُطْلَقًا كاللِّوَاطِ، أو فِي حَقِّ الوَاطِئِ، كمَنْ وَطِئَ ذَاتَ مَحْرَمٍ بعَقْدٍ أو غَيْرِه، فهَذَا الوَصْفُ هل يَكُونُ قَائِمًا مَقَامَ الْإِحْصَانِ وخَلَفًا عنه؟ هَذَا هو مَحَلُّ النِّزَاعِ بَيْنَ العُلَمَاءِ، والْأَحَادِيثُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ خَلَفًا عنه، ويُكْتَفَى بِهِ فِي إِبَاحَةِ الدَّمِ.
وأَمَّا سَفْكُ الدَّمِ الحَرَامِ، فَهَلْ يَقُومُ مَقَامَهُ إِثَارَةُ الفِتَنِ المُؤَدِّيَةِ إِلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ، كتَفْرِيقِ جَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ، وشَقِّ العَصَا، والمُبَايَعَةِ لإمَامٍ ثَانٍ، ودَلِّ الكُفَّارِ عَلَى عَوْرَاتِ المُسْلِمِينَ , هَذَا هو مَحَلُّ النِّزَاعِ. وقَدْ رُوِيَ عَن عُمَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى إِبَاحَةِ القَتْلِ بِمِثْلِ هَذَا.
وكَذَلِكَ شَهْرُ السِّلَاحِ لطَلَبِ القَتْلِ: هَلْ يَقُومُ مَقَامَ القَتْلِ فِي إِبَاحَةِ الدَّمِ أم لَا؟ فابنُ الزُّبَيْرِ وعَائِشَةُ رَأَيَاهُ قَائِمًا مَقَامَ القَتْلِ الحَقِيقِيِّ فِي ذَلِكَ.
وكذلك قَطْعُ الطَّرِيقِ بِمُجَرَّدِه: هل يُبِيحُ القَتْلَ أم لَا؟ لِأَنَّه مَظِنَّةٌ لسَفْكِ الدِّمَاءِ المُحَرَّمَةِ، وقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة:32] ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يُبَاحُ قَتْلُ النَّفْسِ بشَيْئَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: بالنَّفْسِ،
والثَّانِي: بالفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، ويَدْخُلُ فِي الفَسَادِ فِي الْأَرْضِ: الحِرَابُ والرِّدَّةُ، والزِّنَا؛ فإِنَّ ذَلِكَ كُلَّه فَسَادٌ فِي الْأَرْضِ، وكَذَلِكَ تَكَرُّرُ شُرْبِ الخَمْرِ والْإِصْرَارُ عَلَيْهِ هو مَظِنَّةُ سَفْكِ الدِّمَاءِ المُحَرَّمَةِ. وَقَدْ اجْتَمَعَ الصَّحَابَةُ في عَهْدِ عُمَرَ عَلَى حَدِّه ثَمَانِينَ، وجَعَلُوا السُّكْرَ مَظِنَّةَ الْافْتِرَاءِ والقَذْفِ المُوجِبِ لجَلْدِ الثَّمَانِينَ، ولَمَّا قَدِمَ وفْدُ عَبْدِ القَيْسِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ونَهَاهُم عَنِ الْأَشْرِبَةِ والْانْتِبَاذِ فِي الظُّرُوفِ قَالَ: (( إِنَّ أَحَدَكُم لَيَقُومُ إِلَى ابْنِ عَمِّهِ -يَعْنِي: إِذَا شَرِبَ- فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ ) )، وَكَانَ فِيهِم رَجُلٌ قَدْ أَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ مِنْ ذلك، فكَانَ يُخَبِّؤُهَا حَيَاءً مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فهَذَا كُلُّه يَرْجِعُ إِلَى إِبَاحَةِ الدَّمِ بالقَتْلِ إِقَامَةً لمَظَانِّ القَتْلِ مَقَامَ حَقِيقَتِهِ، لَكِنْ هل نُسِخَ ذَلِكَ أَمْ حُكْمُه بَاقٍ هَذَا هو مَحَلُّ النِّزَاعِ.
وأَمَّا تَرْكُ الدِّينِ، ومُفَارَقَةُ الجَمَاعَةِ، فمَعْنَاهُ الارْتِدَادُ عن دِينِ المُسْلِمِينَ ولو أَتَى بالشَّهَادَتَيْنِ، فَلَوْ سَبَّ اللَّهَ ورَسُولَه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو مُقِرٌّ بالشَّهَادَتَيْنِ، أُبِيحَ دَمُه؛ لِأَنَّه قَدْ تَرَكَ بذَلِكَ دِينَهُ.