الصفحة 103 من 391

ومنها مَن تَرَكَ الصَّلَاةَ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِن العُلَمَاءِ مَعَ قَوْلِهِم: إِنَّه لَيْسَ بكَافِرٍ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى.

ومنها قَتْلُ شَارِبِ الخَمْرِ في المَرَّةِ الرَّابِعَةِ، وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِن وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وأَخَذَ بذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَمْرِو بنِ العَاصِ وغَيْرُه، وأَكْثَرُ العُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ القَتْلَ انْتَسَخَ، ورُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بالشَّارِبِ فِي المَرَّةِ الرَّابِعَةِ، فَلَمْ يَقْتُلْه. وفِي (صَحِيحِ البُخَارِيِّ) ، أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُؤْتَى بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الخَمْرِ، فَلَعَنَهُ رَجَلٌ، وَقَالَ: مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَا تَلْعَنْهُ؛ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) )، وَلَمْ يَقْتُلْهُ بذَلِكَ.

وقَدْ رُوِيَ قَتْلُ السَّارِقِ فِي المَرَّةِ الخَامِسَةِ، وقِيلَ: إِنَّ بَعْضَ الفُقَهَاءِ ذَهَبَ إِلَيْهِ.

ومنها ما رُوِيَ عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّه قَالَ: (( إِذَا بُوِيعَ لِخَلِيفَتَيْنِ، فَاقْتُلُوا الْآخِرَ مِنْهُمَا ) )خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَقَدْ ضَعَّفَ العُقَيْلِيُّ أَحَادِيثَ هَذَا البَابِ كُلَّهَا.

ومنها: قولُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَأَرَادَ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ ) )وفي رِوَايَةٍ: (( فَاضْرِبُوا رَأْسَهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ ) ). وَقَدْ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ أيضًا مِن رِوَايَةِ عَرْفَجَةَ.

ومنها: مَن شَهَرَ السِّلَاحَ، فَخَرَّجَ النَّسَائِيُّ مِن حَدِيثِ ابنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ شَهَرَ السِّلَاحَ ثُمَّ وَضَعَهُ، فَدَمُهُ هَدَرٌ ) ). وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابنِ الزُّبَيْرِ مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا. وقَالَ البُخَارِيُّ: إِنَّمَا هو مَوْقُوفٌ.

وسُئِلَ أَحْمَدُ عن مَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ، فَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا هَذَا. وَقَالَ إِسْحَاقُ بنُ رَاهُويَهْ: إنَّمَا يُرِيدُ مَن شَهَرَ سِلَاحَهُ ثُمَّ وَضَعَهُ فِي النَّاسِ حَتَّى اسْتَعْرَضَ النَّاسَ، فَقَدْ حَلَّ قَتْلُه، وهو مَذْهَبُ الحَرُورِيَّةِ يَسْتَعْرِضُونَ الرِّجَالَ والنِّسَاءَ والذُّرِّيَّةَ. وَقَدْ رُوِيَ عَن عَائِشَةَ مَا يُخَالِفُ تَفْسِيرَ إِسْحَاقَ، فَخَرَّجَ الحَاكِمُ مِن رِوَايَةِ عَلْقَمَةَ بنِ أَبِي عَلْقَمَةَ, عَن أُمِّه, أَنَّ غُلَامًا شَهَرَ السَّيْفَ عَلَى مَوْلَاهُ فِي إِمْرَةِ سَعِيدِ بنِ العَاصِ، وتَفَلَّتْ بِهِ عَلَيْهِ، فَأَمْسَكَهُ النَّاسُ عَنْهُ، فَدَخَلَ المَوْلَى عَلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( مَنْ أَشَارَ بِحَدِيدةٍ إِلَى أَحَدٍ مِنَ المُسْلِمينَ يُريدُ قَتْلَهُ، فَقَدْ وَجَبَ دَمُهُ ) )فَأَخَذَهُ مَوْلَاهُ فقَتَلَهُ. وقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.

وقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّه قَالَ: (( مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ ) )، وَفِي رِوَايَةٍ: (( وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ ) ).

فإِذَا أُرِيدَ مَالُ المَرْءِ أو دَمُه، دَافَعَ عَنْهُ بالْأَسْهَلِ. هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وأَحْمَدَ، وهل يَجِبُ أَنْ يَنْوِيَ أنَّه لَا يُرِيدُ قَتْلَهُ أم لَا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ عَنِ الإمَامِ أَحْمَدَ.

وَذَهَبَ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ مَالَه أو دَمَه، أُبِيحَ لَهُ قَتْلُه ابْتِدَاءً. ودَخَلَ عَلَى ابنِ عُمَرَ لِصٌّ، فَقَامَ إِلَيْهِ بالسَّيْفِ صَلْتًا، فَلَوْلَا أَنَّهُم حَالُوا بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، لقَتَلَهُ.

وسُئِلَ الحَسَنُ عن لِصٍّ دَخَلَ بَيْتَ رَجُلٍ, ومَعَه حَدِيدَةٌ، قَالَ: اقْتُلْه بأَيِّ قِتْلَةٍ قَدَرْتَ عَلَيْهِ، وهؤلاء أَبَاحُوا قَتْلَهُ, وإِن وَلَّى هَارِبًا مِن غَيْرِ جِنَايَةٍ، منهم أَيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ.

وخَرَّجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِن حَدِيثِ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (( الدَّارُ حَرَمُكَ، فَمَنْ دَخَلَ عَلَيْكَ حَرَمَكَ، فَاقْتُلْهُ ) )ولَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ.

ومنها قَتْلُ الجَاسُوسِ المُسْلِمِ إِذَا تَجَسَّسَ للكُفَّارِ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَقَدْ تَوَقَّفَ فيه أَحْمَدُ، وأَبَاحَ قَتْلَهُ طَائِفَةٌ مِن أَصْحَابِ مَالِكٍ، وابنُ عَقِيلٍ مِن أَصْحَابِنَا، ومِن المَالِكِيَّةِ مَنْ قَالَ: إِنْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ منه أُبِيحَ قَتْلُه، واسْتَدَلَّ مَن أَبَاحَ قَتْلَه بقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَقِّ حَاطِبِ بنِ أَبِي بَلْتَعَةَ لَمَّا كَتَبَ الكِتَابَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ يُخْبِرُهُم بسَيْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِم، ويَأْمُرُهُم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت