فهرس الكتاب
وقَوْلُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( التَّارِكُ لِدِينِهِ المُفَارِقُ للجَماعَةِ ) )يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لو تَابَ ورَجَعَ إِلَى الْإِسْلَامِ، لَمْ يُقْتَلْ؛ لِأَنَّه لَيْسَ بتَارِكٍ لدِينِهِ بَعْدَ رُجُوعِهِ، وَلَا مُفَارِقٍ للجَمَاعَةِ.
فإِنْ قِيلَ: بل اسْتِثْنَاءُ هَذَا مِمَّن يُعْصَمُ دَمُه مِن أَهْلِ الشَّهَادَتَيْنِ يَدُلُّ عَلَى أنَّه يُقْتَلُ ولو كَانَ مُقِرًّا بالشَّهَادَتَيْنِ، كَمَا يُقْتَلُ الزَّانِي المُحْصَنُ، وقَاتِلُ النَّفْسِ، وهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ المُرْتَدَّ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُه، كَمَا حُكِيَ عَنِ الحَسَنِ، أو أَنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى مَن ارْتَدَّ مِمَّن وُلِدَ عَلَى الْإِسْلَامِ؛ فَإِنَّه لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُه، وَإِنَّمَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ مَنْ كَانَ كَافِرًا، ثُمَّ أَسْلَمَ، ثُمَّ ارْتَدَّ عَلَى قَوْلِ طَائِفَةٍ مِن العُلَمَاءِ، منهم: اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ، وأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وإِسْحَاقُ. قِيلَ: إِنَّمَا اسْتَثْنَاهُ مِن المُسْلِمِينَ باعْتِبَارِ مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ مُفَارَقَةِ دِينِهِ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُه، وَلَيْسَ هَذَا كالثَّيِّبِ الزَّانِي، وقَاتِلِ النَّفْسِ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُما وَجَبَ عُقُوبَةً لِجَرِيمَتِهِمَا المَاضِيَةِ، ولَا يُمْكِنُ تَلَافِي ذَلِكَ.
وأَمَّا المُرْتَدُّ، فَإِنَّمَا قُتِلَ لِوَصْفٍ قَائِمٍ بِهِ فِي الحَالِ، وهو تَرْكُ دِينِهِ ومُفَارَقَةُ الجَمَاعَةِ، فإِذَا عَادَ إِلَى دِينِهِ، وإلى مُوَافَقَةِ الجَمَاعَةِ، فالوَصْفُ الذي أُبِيحَ بِهِ دَمُه قَدِ انْتَفَى، فتَزُولُ إِبَاحَةُ دَمِهِ، واللَّهُ أَعْلَمُ.
فإِنْ قِيلَ: فَقَدْ خَرَّجَ النَّسَائِيُّ مِن حَدِيثِ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (( لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: زَانٍ مُحْصَنٍ يُرْجَمُ، ورَجُلٍ قَتَلَ مُتَعَمِّدًا فَيُقْتَلُ، وَرَجُلٍ يَخْرُجُ مِنَ الْإِسْلَامِ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَيُقْتَلُ أَوْ يُصْلَبُ أَوْ يُنْفَى مِنَ الْأَرْضِ ) )وهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ المُرَادَ مَن جَمَعَ بَيْنَ الرِّدَّةِ والمُحَارَبَةِ.
قِيلَ: قَدْ خَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ حَدِيثَ عَائِشَةَ بلَفْظٍ آخَرَ، وهو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (( لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللَّهِ إِلَّا فِي إِحْدَى ثَلَاثٍ: زِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ فَإِنَّه يُرْجَمُ، وَرَجُلٌ خَرَجَ مُحَارِبًا للَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ أَوْ يُصْلَبُ أَوْ يُنْفَى مِنَ الْأَرْضِ، أَوْ يَقْتُلُ نَفْسًا فَيُقْتَلُ بِهَا ) ).
وهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ وُجِدَ منه الحِرَابُ مِن المُسْلِمِينَ، خُيِّرَ الْإِمَامُ فيه مُطْلَقًا، كَمَا يَقُولُه عُلَمَاءُ أَهْلِ المَدِينَةِ مَالِكٌ وغَيْرُه، والرِّوَايَةُ الأُولَى قَدْ تُحْمَلُ عَلَى أَنَّ المُرَادَ بِخُرُوجِهِ عن الإِسْلَامِ خُرُوجُه عن أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ تُحْمَلُ عَلَى ظَاهِرِهَا، ويَسْتَدِلُّ بذَلِكَ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ آيَةَ المُحَارَبَةَ تَخْتَصُّ بالمُرْتَدِّينَ، فَمَنِ ارْتَدَّ وحَارَبَ، فُعِلَ بِهِ مَا فِي الْآيَةِ، ومَن حَارَبَ مِن غَيْرِ رِدَّةٍ، أُقِيمَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ المُسْلِمِينَ مِنَ القِصَاصِ والقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ، وهَذَا رِوَايَةٌ عن أَحْمَدَ لَكِنَّهَا غَيْرُ مَشْهُورَةٍ عنه، وكَذَا قَالَ طَائِفَةٌ مِن السَّلَفِ: إِنَّ آيَةَ المُحَارَبَةِ تَخْتَصُّ بالمُرْتَدِّينَ، مِنْهُم أَبُو قِلَابَةَ وغَيْرُه.
وبكُلِّ حَالٍ، فحَدِيثُ عَائِشَةَ أَلْفَاظُه مُخْتَلِفَةٌ، وَقَد رُوِيَ عَنْهَا مَرْفُوعًا، ورُوِيَ عَنْهَا مَوْقُوفًا، وَحَدِيثُ ابنِ مَسْعُودٍ لَفْظُه لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، وهو ثَابِتٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، ولَكِنْ يُقَالُ علَى هَذَا: إِنَّه قَدْ وَرَدَ قَتْلُ المُسْلِمِ بغَيْرِ إِحْدَى هَذِهِ الخِصَالِ الثَّلَاثِ:
فمنها في اللِّوَاطِ، وقَدْ جَاءَ مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (( اقْتُلُوا الفَاعِلَ وَالمَفْعُولَ بِهِ ) )وأَخَذَ بِهِ كَثِيرٌ مِن العُلَمَاءِ كمَالِكٍ وأَحْمَدَ، وقَالُوا: إنَّه مُوجِبٌ للقَتْلِ بكُلِّ حَالٍ، مُحْصَنًا كَانَ أو غَيْرَ مُحْصَنٍ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّه، قَالَ: لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بأَرْبَعٍ، فَذَكَرَ الثَّلَاثَةَ المُتَقَدِّمَةَ، وزَادَ: ورَجُلٍ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ.
ومنها مَن أَتَى ذَاتَ مَحْرَمٍ، وقَدْ رُوِيَ الْأَمْرُ بقَتْلِهِ، ورُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتَلَ مَن تَزَوَّجَ بامْرَأَةِ أَبِيهِ، وأَخَذَ بذَلِكَ طَائِفَةٌ مِن العُلَمَاءِ، وأَوْجَبُوا قَتْلَهُ مُطْلَقًا مُحْصَنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُحْصَنٍ.
ومنها السَّاحِرُ، وفي (التِّرْمِذِيِّ) ، مِن حَدِيثِ جُنْدُبٍ مَرْفُوعًا: (( حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بالسَّيْفِ ) )وذَكَرَ أَنَّ الصَّحِيحَ وقْفُهُ عَلَى جُنْدُبٍ، وهو مَذْهَبُ جَمَاعَةٍ مِن العُلَمَاءِ، مِنْهُم عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ ومَالِكٌ وأَحْمَدُ وإِسْحَاقُ، وَلَكِنَّ هؤلاء يَقُولُونَ: إِنَّه يَكْفُرُ بسِحْرِهِ، فَيَكُونُ حُكْمُه حُكْمَ المُرْتَدِّينَ.
ومنها قَتْلُ مَن وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ، وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ، وقَالَ بِهِ طَائِفَةٌ مِن العُلَمَاءِ.