فهرس الكتاب
أَهْلِ الحَدِيثِ؛ لحَدِيثِ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ، قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَدَعَهُ جَدَعْنَاهُ ) )وَقَدْ طَعَنَ فِيهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وغَيْرُه.
وقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّه لَا قِصَاصَ بَيْنَ العَبِيدِ والْأَحْرَارِ فِي الْأَطْرَافِ، وهَذَا يَدُلُّ عَلَى أنَّ هَذَا الحَدِيثَ مُطَّرَحٌ لَا يُعْمَلُ بِهِ، وهَذَا مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ المُرَادَ بقَوْلِهِ تَعَالَى: {النَّفْسَ بالنَّفْسِ} [المائدة: 45] الْأحْرَارُ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَه القِصَاصَ فِي الْأَطْرَافِ، وهو يَخْتَصُّ بالْأَحْرَارِ.
ومنها أَنْ يَقتُلَ المُسْلِمُ كافِرًا، فإِنْ كَانَ حَرْبِيًّا، لَمْ يُقْتَلْ بِهِ بغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّ قَتْلَ الحَرْبِيِّ مُبَاحٌ بِلَا رَيْبٍ، وإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا أو مُعَاهَدًا، فالجُمْهُورُ عَلَى أنَّه لَا يُقْتَلُ بِهِ أيضًا، وفِي (صَحِيحِ البُخَارِيِّ) عن عَلِيٍّ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (( لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ ) ).
وقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وجَمَاعَةٌ مِن فُقَهَاءِ الكُوفِيِّينَ: يُقْتَلُ بِهِ، وقَدْ رَوَى رَبِيعَةُ عن ابنِ البَيْلَمَانِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ القِبْلَةِ بِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَقَالَ: (( أَنَا أَحَقُّ مَنْ وَفَّى بِذِمَّتِهِ ) )وهذا مُرْسَلٌ ضَعِيفٌ قَدْ ضَعَّفَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وأَبُو عُبَيْدٍ، وإِبْرَاهِيمُ الحَرْبِيُّ، والجُوزْجَانِيُّ، وابنُ المُنْذِرِ، والدَّارَقُطْنِيُّ، وقَالَ ابنُ البَيْلَمَانِيِّ: ضَعِيفٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ إِذَا وَصَلَ الحَدِيثَ، فَكَيْفَ بِمَا يُرْسِلُه؟! وقَالَ الجُوزْجَانِيُّ: إِنَّمَا أَخَذَهُ رَبِيعَةُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بنِ أَبِي يَحْيَى عن ابنِ المُنْكَدِرِ، عن ابنِ البَيْلَمَانِيِّ، وابنُ أَبِي يَحْيَى مَتْرُوكُ الحَدِيثِ. وفي (مَرَاسِيلِ أَبِي دَاوُدَ) حَدِيثٌ آخَرُ مُرْسَلٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتَلَ يَوْمَ خَيْبَرَ مُسْلِمًا بكَافِرٍ قَتَلَه غِيلَةً، وقَالَ: (( أَنَا أَوْلَى وَأَحَقُّ مَنْ وَفَّى بِذِمَّتِهِ ) ). وهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وأَهْلِ المَدِينَةِ أَنَّ القَتْلَ غِيلَةً لَا تُشْتَرَطُ لَهُ المُكَافَأَةُ، فَيُقْتَلُ فيه المُسْلِمُ بالكَافِرِ، وعَلَى هَذَا حَمَلُوا حَدِيثَ ابنِ البَيْلَمَانِيِّ أَيْضًا عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ.
ومنها: أَنْ يَقْتُلَ الرَّجُلُ امْرَأَةً، فيُقْتَلَ بِهَا بغَيْرِ خِلَافٍ، وفِي كِتَابِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بالمَرْأَةِ. وصَحَّ أَنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتَلَ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً. وأَكْثَرُ العُلَمَاءِ عَلَى أَنَّه لَا يُدْفَعُ إِلَى أَوْلِيَاءِ الرَّجُلِ شَيْءٌ. ورُوِيَ عَن عَلِيٍّ أَنَّه يُدْفَعُ إِلَيْهِم نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ دِيَةَ المَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ, وهو قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ وأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ.
وأمَّا التَّارِكُ لِدِينِهِ المُفَارِقُ للجَمَاعَةِ، فالمُرَادُ بِهِ مَن تَرَكَ الْإِسْلَامَ، وارْتَدَّ عَنْهُ، وفَارَقَ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ، كَمَا جَاءَ التَّصْرِيحُ بذَلِكَ فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ، وإِنَّما اسْتَثْنَاهُ مَعَ مَن يَحِلُّ دَمُه مِن أَهْلِ الشَّهَادَتَيْنِ باعْتِبَارِ مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الرِّدَّةِ, وحُكْمُ الْإِسْلَامِ لَازِمٌ لَهُ بَعْدَهَا، ولهذا يُسْتَتَابُ، ويُطْلَبُ منه العَوْدُ إِلَى الْإِسْلَامِ، وفي إِلْزَامِهِ بقَضَاءِ مَا فَاتَهُ فِي زَمَنِ الرِّدَّةِ مِن العِبَادَاتِ اخْتِلَافٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ العُلَمَاءِ.
وأَيْضًا فَقَدْ يَتْرُكُ دِينَه، ويُفَارِقُ الجَمَاعَةَ، وهو مُقِرٌّ بالشَّهَادَتَيْنِ، ويَدَّعِي الْإِسْلَامَ، كَمَا إِذَا جَحَدَ شَيْئًا مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، أو سَبَّ اللَّهَ ورَسُولَه، أو كَفَرَ ببَعْضِ المَلَائِكَةِ أو النَّبِيِّينَ أو الكُتُبِ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ مَعَ العِلْمِ بذلك، وفي (صَحِيحِ البُخَارِيِّ) عنِ ابنِ عَبَّاسٍ، عنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ ) ).
وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ الرَّجُلِ والمَرْأَةِ عِنْدَ أَكْثَرِ العُلَمَاءِ، ومنهم مَن قَالَ: لَا تُقْتَلُ المَرْأَةُ إِذَا ارْتَدَّتْ كَمَا لَا تُقْتَلُ نِسَاءُ أَهْلِ دَارِ الحَرْبِ فِي الحَرْبِ، وَإِنَّمَا تُقْتَلُ رِجَالُهُم، وهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وأَصْحَابِهِ، وجَعَلُوا الكُفْرَ الطَّارِئَ كالْأَصْلِيِّ، والجُمْهُورُ فَرَّقُوا بَيْنَهُما، وجَعَلُوا الطَّارِئَ أَغْلَظَ لِمَا سَبَقَهُ مِن الْإِسْلَامِ، ولِهَذَا يُقْتَلُ بالرِّدَّةِ عنه مَن لَا يُقْتَلُ مِن أَهْلِ الحَرْبِ، كالشَّيْخِ الفَانِي، والزَّمِنِ، والْأَعْمَى، ولَا يُقْتَلُونَ فِي الحَرْبِ.