الصفحة 100 من 391

ويُسْتَنْبَطُ أيضًا مِن قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى ونُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا للَّذِينَ هَادُوا} إِلَى قَوْلِهِ: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 44 - 49] . وقَالَ الزُّهْرِيُّ: بَلَغَنَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي اليَهُودِيَّيْنِ الَّلذَيْنِ رَجَمَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِنِّي أَحْكُمُ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ ) )وأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا.

وخَرَّجَ مُسْلِمٌ فِي (صَحِيحِه) مِن حَدِيثِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ قِصَّةَ رَجْمِ اليَهُودِيَّيْنِ، وقَالَ في حَدِيثِهِ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {يَا أيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الكُفْرِ} [المائدة: 41] ، وأَنْزَلَ: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ} [المائدة: 44] في الكُفَّارِ كُلَّهَا.

وخَرَّجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وعِنْدَه: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الكُفْرِ} إِلَى قَوْلِهِ: {إِنْ أُوتِيتُم هَذَا فَخُذُوهُ} [المائدة:41] ، يَقُولُونَ: ائْتُوا مُحَمَّدًا، فَإِنْ أَفْتَاكُم بالتَّحْمِيمِ والجَلْدِ، فَخُذُوه، وإِنْ أَفْتَاكُم بالرَّجْمِ، فاحْذَرُوا، إِلَى قَوْلِهِ: {ومَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ} [المائدة: 44] قَالَ: في اليَهُودِ.

ورُوِيَ مِن حَدِيثِ جَابِرٍ قَصَّةُ رَجْمِ اليَهُودِيَّيْنِ، وفِي حَدِيثِهِ قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بالْقِسْطِ} [المائدة: 42] .

وكَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَمَرَ أَوَّلًا بِحَبْسِ النِّسَاءِ الزَّوَانِي إِلَى أَنْ يَتَوَفَّاهُنَّ المَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ السَّبِيلَ، ثُمَّ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، ففي (صَحِيحِ مُسْلِمٍ) عَنْ عُبَادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا: البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ ) ).

وقَدْ أَخَذَ بظَاهِرِ هَذَا الحَدِيثِ جَمَاعَةٌ مِن العُلَمَاءِ، وأَوْجَبُوا جَلْدَ الثَّيِّبِ مِائَةً، ثُمَّ رَجْمَهُ، كَمَا فَعَلَ عَلِيٌّ بِشُرَاحَةَ الْهَمْدَانِيَّةِ، وقَالَ: جَلَدْتُهَا بِكِتَابِ اللَّهِ، ورَجَمْتُها بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. يُشِيرُ إِلَى أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ فيه جَلْدُ الزَّانِيَيْنِ مِن غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ ثَيِّبٍ وبِكْرٍ، وجَاءَت السُّنَّةُ برَجْمِ الثَّيِّبِ خَاصَّةً مَعَ اسْتِنْبَاطِهِ مِن القُرْآنِ أيضًا، وهذا القَوْلُ هو المَشْهورُ عن الإمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ وإِسْحَاقَ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ وطَائِفَةٍ مِن السَّلَفِ.

وقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُم: إِنْ كَانَ الثَّيِّبَانِ شَيْخَيْنِ رُجِمَا وجُلِدَا، وإِنْ كَانَا شَابَّيْنِ، رُجِمَا بغَيْرِ جَلْدٍ؛ لِأَنَّ ذَنْبَ الشَّيْخِ أَقْبَحُ، لَا سِيَّمَا بالزِّنَا، وهَذَا قَوْلُ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ، ورُوِيَ عنه مَرْفُوعًا، وَلَا يَصِحُّ رَفْعُه، وهو رِوَايَةٌ عن أَحْمَدَ وإِسْحَاقَ أيضًا.

وأَمَّا النَّفْسُ بالنَّفْسِ، فمَعْنَاهُ أَنَّ المُكَلَّفَ إِذَا قَتَلَ نَفْسًا بغَيْرِ حَقٍّ عَمْدًا؛ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهَا، وقَدْ دَلَّ القُرْآنُ عَلَى ذَلِكَ بقَوْلِهِ تَعَالَى: {وكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بالنَّفْسِ} [المائدة:45] وقَالَ تَعَالَى: {يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى الْحُرُّ بالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بالْأُنْثَى} [البقرة:178] .

ويُسْتَثْنَى مِن عُمُومِ قَوْلِهِ: {النَّفْسَ بالنَّفسِ} صُورٌ:

مِنْهَا أَنْ يَقْتُلَ الوَالِدُ وَلَدَه، فالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّه لَا يُقْتَلُ بِهِ، وَصَحَّ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ. ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِن وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وقَدْ تُكُلِّمَ فِي أَسَانِيدِهَا، وقَالَ مَالِكٌ: إِنْ تَعَمَّدَ قَتْلَهُ تَعَمُّدًا لَا يُشَكُّ فِيهِ، مِثْلَ أَنْ يَذْبَحَهُ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ، وإِنْ حَذَفَهُ بسَيْفٍ أو عَصًا، لَمْ يُقْتَلْ. وقَالَ البَتِّيُّ: يُقْتَلُ بقَتْلِهِ بِجَمِيعِ وُجُوهِ العَمْدِ للعُمُومَاتِ.

ومنها: أَنْ يَقْتُلَ الحُرُّ عَبْدًا، فالْأَكْثَرُونَ عَلَى أنَّه لَا يُقْتَلُ بِهِ، وقَدْ وَرَدَتْ في ذَلِكَ أَحَادِيثُ في أَسَانِيدِهَا مَقَالٌ. وقِيلَ: يُقْتَلُ بعَبْدِ غَيْرِه دُونَ عَبْدِهِ، وهو قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وأَصْحَابِهِ، وقِيلَ: يُقْتَلُ بعَبْدِهِ وعَبْدِ غَيْرِه، وهو رِوَايَةٌ عن الثَّوْرِيِّ، وقَوْلُ طَائِفَةٍ مِن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت