الصفحة 113 من 391

والخَامِسُ: مِلْكُ اليَمِينِ، وَقَدْ وَصَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِم كَثِيرًا وأَمَرَ بالإحْسَانِ إِلَيْهِم، ورُوِيَ أَنَّ آخِرَ مَا وَصَّى بِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ: (( الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) )، وأَدْخَلَ بَعْضُ السَّلَفِ فِي هَذِهِ الآيَةِ: مَا يَمْلِكُهُ الْإِنْسَانُ مِن الحَيَوَانَاتِ والبَهَائِمِ.

ولْنَرْجِعْ إِلَى شَرْحِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي إِكْرَامِ الجَارِ، وفِي (الصَّحِيحَيْنِ) عَن عَائِشَةَ وابنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ ) ).

فَمِنْ أَنْوَاعِ الْإِحْسَانِ إِلَى الجَارِ مُوَاسَاتُه عِنْدَ حَاجَتِهِ، وفِي (المُسْنَدِ) عَنْ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (( لَا يَشْبَعُ الْمُؤْمِنُ دُونَ جَارِهِ ) )، وخَرَّجَ الحَاكِمُ مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (( لَيْسَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَشْبَعُ وَجارُهُ جَائِعٌ ) ). وفي رِوَايَةٍ أُخْرَى, عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَا آمَنَ مَنْ بَاتَ شَبْعَانَ وَجَارُهُ طَاوِيًا ) ).

وفي (المُسْنَدِ) عن عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (( أَوَّلُ خَصْمَيْنِ يَوْمَ القِيَامَةِ جَارَانِ ) ).

وفي كِتَابِ (الْأَدَبِ) للبُخَارِيِّ عَنِ ابنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (( كَمْ مِنْ جَارٍ مُتَعَلِّقٍ بِجَارِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ, هَذَا أَغْلَقَ بَابَهُ دُونِي فَمَنَعَ مَعْرُوفَهُ ) ).

وخَرَّجَ الخَرَائِطِيُّ وغَيْرُه بإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ مِن حَدِيثِ عَطَاءٍ الخُرَاسَانِيِّ، عَن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ أَغْلَقَ بابَهُ دُونَ جَارِه مَخَافةً عَلَى أَهْلِهِ وَمَالِهِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُؤْمِنٍ، وَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ مَنْ لَمْ يَأْمنْ جَارُهُ بَوائِقَهُ. أَتَدْرِي مَا حَقُّ الجَارِ؟ إِذَا اسْتَعَانَكَ أَعَنْتَهُ، وَإِذَا اسْتَقْرَضَكَ أَقْرَضْتَهُ، وَإِذَا افْتَقَرَ، عُدْتَ عَلَيْهِ، وَإِذَا مَرِضَ عُدْتَهُ، وِإِذَا أَصَابَهُ خَيْرٌ هَنَّأْتَهُ، وَإِذَا أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ عَزَّيْتَهُ، وَإِذَا مَاتَ اتَّبَعْتَ جَنَازَتَهُ، وَلَا تَسْتَطِلْ عَلَيْهِ بِالبِنَاءِ، فَتَحْجُبَ عَنْهُ الرِّيحَ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا تُؤْذِهِ بقُتَارِ رِيحِ قِدْرِكَ إِلَّا أَنْ تَغْرِفَ لَهُ مِنْهَا، وَإِنْ اشْتَرَيْتَ فَاكِهَةً، فَأَهْدِ لَهُ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ، فَأَدْخِلْهَا سِرًّا، وَلَا يَخْرُجُ بِهَا وَلَدُكَ لِيَغيظَ بِهَا وَلَدَهُ ) )، ورَفْعُ هَذَا الكَلَامِ مُنْكَرٌ، ولَعَلَّه مِن تَفْسِيرِ عَطَاءٍ الخُرَاسَانِيِّ.

وَقَدْ رُوِيَ أيضًا عَنْ عَطَاءٍ, عَنِ الحَسَنِ, عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: (( أَدْنَى حَقِّ الْجِوَارِ أَنْ لَا تُؤْذِيَ جَارَكَ بِقُتَارِ قِدْرِكَ إِلَّا أَنْ تَقْدَحَ لَهُ مِنْها ) ).

وفي (صَحِيحِ مُسْلِمٍ) عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: (( أَوْصَانِي خَلِيلِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا طَبَخْتَ مَرَقًا، فَأَكْثِرْ مَاءَهُ، ثُمَّ انْظُرْ إِلَى أَهْلِ بَيْتِ جِيرَانِكَ، فَأَصِبْهُم مِنْهَا بِمَعْرُوفٍ ) ).

وفي رِوَايَةٍ أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (( يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً، فَأَكْثِرْ مَاءَهَا، وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ ) ).

وفِي (المُسْنَدِ) والتِّرْمِذِيِّ عن عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرِو بنِ العَاصِ أَنَّه ذَبَحَ شَاةً، فقَالَ: هَلْ أَهْدَيْتُم مِنْهَا لِجَارِنَا اليَهُودِيِّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ ) ).

وفي (الصَّحِيحَيْنِ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (( لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدُكُم جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ ) )ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا لِي أَرَاكُم عَنْهَا مُعْرِضِينَ، واللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُم.

ومَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أنَّ الجَارَ يَلْزَمُه أَنْ يُمَكِّنَ جَارَهُ مِن وَضْعِ خَشَبِهِ عَلَى جِدَارِهِ إِذَا احْتَاجَ الجَارُ إِلَى ذَلِكَ ولَمْ يَضُرَّ بِجِدَارِهِ، لِهَذَا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وظَاهِرُ كَلَامِه أنَّه يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُواسِيَه مِن فَضْلِ مَا عِنْدَه بِمَا لَا يَضُرُّ بِهِ إِذَا عَلِمَ حَاجَتَهُ. قَالَ المَرُّوذِيُّ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: إِنِّي أَسْمَعُ السَّائِلَ فِي الطَّرِيقِ يَقُولُ: إِنِّي جَائِعٌ، فَقَالَ: قَد يَصْدُقُ وَقَدْ يَكْذِبُ. قُلْتُ: فإِذَا كَانَ لِي جَارٌ أَعْلَمُ أنَّه يَجُوعُ؟ قَالَ: تُوَاسِيهِ، قُلْتُ: إِذَا كَانَ قُوتِي رَغِيفَيْنِ؟ قَالَ: تُطْعِمُهُ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: الذي جَاءَ فِي الحَدِيثِ إنَّما هو الجَارُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت