الصفحة 114 من 391

وقَالَ المَرُّوذِيُّ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ؟ الْأَغْنِيَاءُ يَجِبُ عَلَيْهِمُ المُوَاسَاةُ؟ قَالَ: إِذَا كَانَ قَوْمٌ يَضَعُونَ شَيْئًا عَلَى شَيْءٍ كَيْفَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِم، قُلْتُ: إِذَا كَانَ للرَّجُلِ قَمِيصَانِ، أو قُلْتُ: جُبَّتانِ، يَجِبُ عَلَيْهِ المُوَاسَاةُ؟ قَالَ: إِذَا كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَكُونَ فَضْلًا.

وهَذَا نَصٌّ مِنْهُ فِي وُجُوبِ المُوَاسَاةِ مِن الفَاضِلِ، وَلَمْ يَخُصَّهُ بالجَارِ، ونَصُّه الْأَوَّلُ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَهُ بالجَارِ.

وقَالَ في رِوَايَةِ ابنِ هَانِئٍ في السُّؤَّالِ يَكْذِبُونَ أَحَبُّ إِلَيْنَا لو صَدَقُوا مَا وَسِعَنا إلَّا مُوَاسَاتُهُم, وهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ مُوَاسَاةِ الجَائِعِ مِنَ الجِيرَانِ، وغَيْرِهِم.

وفي (الصَّحِيحِ) عَنْ أَبِي مُوسَى, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (( أَطْعِمُوا الجَائِعَ، وَعُودُوا المَريضَ، وَفُكُّوا العَانِيَ ) ).

وفي (المُسْنَدِ) و (صَحِيحِ الحَاكِمِ) عَن ابنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (( أَيُّمَا أَهْلُ عَرَصَةٍ أَصْبَحَ فِيهِم امْرُؤٌ جَائِعٌ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ) ).

ومَذْهَبُ أَحْمَدَ ومَالِكٍ أَنَّه يُمْنَعُ الجَارُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي خَاصِّ مِلْكِهِ بِمَا يَضُرُّ بِجَارِهِ، فيَجِبُ عندَهُما كَفُّ الْأَذَى عَنِ الجَارِ بِمَنْعِ إِحْدَاثِ الْانْتِفَاعِ المُضِرِّ بِهِ، ولو كَانَ المُنْتَفِعُ إِنَّمَا يَنْتَفِعُ بِخَاصِّ مِلْكِهِ، وَيَجِبُ عِنْدَ أَحْمَدَ أَنْ يَبْذُلَ لِجَارِهِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ في بَذْلِهِ، وأَعْلَى مِنْ هَذَيْنِ أَنْ يَصْبِرَ عَلَى أَذَى جَارِهِ، وَلَا يُقَابِلَه بالْأَذَى. قَالَ الحَسَنُ: لَيْسَ حُسْنُ الجِوَارِ كَفَّ الْأَذَى، وَلَكِنَّ حُسْنَ الجِوَارِ احْتِمَالُ الْأَذَى، ويُرْوَى مِن حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ يَرْفَعُه: (( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرَّجُلَ يَكُونُ لَهُ الْجَارُ يُؤْذِيهِ جِوَارُهُ، فَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُ حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا مَوْتٌ أَوْ ظَعْنٌ ) )خَرَّجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. وفي مَرَاسِيلِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلِيِّ, أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْكُو إِلَيْهِ جَارَه، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( كُفَّ أَذَاكَ عَنْهُ، وَاصْبِرْ لِأَذَاهُ، فَكَفَى بِالْمَوْتِ مُفَرِّقًا ) )خرَّجَه ابنُ أَبِي الدُّنْيَا.

الثَّالِثُ: مِمَّا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المُؤْمِنِينَ: إِكْرَامُ الضَّيْفِ، والمُرَادُ إِحْسانُ ضِيَافَتِهِ، وفي (الصَّحِيحَيْنِ) مِن حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ، قَالَ: أَبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعَتْهُ أُذُنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ قَالَ: (( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ ) )قَالُوا: وَمَا جَائِزَتُه؟ قَالَ: (( يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ) )قَالَ: (( وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهُوَ صَدَقَةٌ ) ).

وخرَّجَ مُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ أيضًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (( الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أيَّامٍ، وَجَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهُوَ صَدَقَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَه حَتَّى يُؤَثِّمَهُ ) )، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يُؤَثِّمُهُ؟ قَالَ: (( يُقِيمُ عِنْدَهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ يَقْرِيهِ بِهِ ) ).

وخَرَّجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِن حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ ) ). قَالَهَا ثَلَاثًا، قَالُوا: وَمَا كَرَامَةُ الضَّيْفِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (( ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا جَلَسَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ ) ).

فَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ جَائِزَةَ الضَّيْفِ يَوْمٌ ولَيْلَةٌ، وأَنَّ الضِّيَافَةَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَفَرَّقَ بَيْنَ الجَائِزَةِ والضِّيَافَةِ، وأَكَّدَ الجَائِزَةَ, وَقَدْ وَرَدَ فِي تَأْكِيدِهَا أَحَادِيثُ أُخَرُ، فَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ المِقْدَامِ بنِ مَعْدِيكَرِبَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَيْلَةُ الضَّيْفِ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَمَنْ أَصْبَحَ بِفِنائِهِ، فَهُوَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، إِنْ شَاءَ اقْتَضَى، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ ) ). وخَرَّجَه ابنُ ماجَةَ, ولَفْظُه: (( لَيْلَةُ الضَّيفِ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ) ).

وخرَّجَ الإمامُ أَحْمَدُ، وأَبُو دَاوُدَ مِن حَدِيثِ المِقْدَامِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (( أَيُّمَا رَجُلٍ أَضَافَ قَوْمًا، فَأَصْبَحَ الضَّيْفُ مَحْرُومًا، فَإِنَّ نَصْرَهُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حَتَّى يَأْخُذَ بِقِرَى لَيْلَةٍ مِنْ زَرْعِهِ وَمالِهِ ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت