فهرس الكتاب
وهَذِهِ الْأَرْبَعُ التِي ذَكَرَها الحَسَنُ هي مَبْدَأُ الشَّرِّ كُلِّه؛ فَإِنَّ الرَغْبَةَ فِي الشَّيْءِ هي مَيْلُ النَّفْسِ إِلَيْهِ لاعْتِقَادِ نَفْعِهِ، فَمَن حَصَلَ لَهُ رَغْبَةٌ فِي شَيْءٍ، حَمَلَتْهُ تِلْكَ الرَّغْبَةُ عَلَى طَلَبِ ذَلِكَ الشَّيْءِ مِن كُلِّ وَجْهٍ يَظُنُّه مُوصِلًا إِلَيْهِ، وَقَدْ يَكُونُ كَثِيرٌ مِنهَا مُحَرَّمًا، وَقَد يَكُونُ ذَلِكَ الشَّيْءُ المَرْغُوبُ فِيهِ مُحَرَّمًا.
والرَّهْبَةُ: هي الخَوْفُ مِن الشَّيْءِ، وإِذَا خَافَ الْإِنْسَانُ مِن شَيْءٍ تَسَبَّبَ فِي دَفْعِهِ عَنْهُ بكُلِّ طَرِيقٍ يَظُنُّه دَافِعًا لَهُ، وقَدْ يَكُونُ كَثِيرٌ مِنْهَا مُحَرَّمًا.
والشَّهْوَةُ: هي مَيْلُ النَّفْسِ إِلَى مَا يُلَائِمُهَا، وتَلْتَذُّ بِهِ، وَقَدْ تَمِيلُ كَثِيرًا إِلَى مَا هو مُحَرَّمٌ كالزِّنَا والسَّرِقَةِ وشُرْبِ الْخَمْرِ، بل وإِلَى الكُفْرِ والسِّحْرِ والنِّفَاقِ والبِدَعِ.
والغَضَبُ: هو غَلَيَانُ دَمِ القَلْبِ طَلَبًا لدَفْعِ المُؤْذِي عِنْدَ خَشْيَةِ وقُوعِهِ، أو طَلَبًا للْانْتِقَامِ مِمَّن حَصَلَ مِنْهُ الْأَذَى بَعْدَ وقُوعِهِ، ويَنْشَأُ مِن ذَلِكَ كَثِيرٌ مِن الْأَفْعَالِ المُحَرَّمَةِ كالقَتْلِ والضَّرْبِ وأَنْوَاعِ الظُّلْمِ والعُدْوَانِ، وكَثِيرٌ مِن الْأَقْوَالِ المُحَرَّمَةِ كالقَذْفِ والسَّبِّ والفُحْشِ، ورُبَّمَا ارْتَقَى إِلَى دَرَجَةِ الكُفْرِ، كَمَا جَرَى لِجَبَلَةَ بنِ الْأَيْهَمِ، وكَالْأَيْمَانِ الَّتِي لَا يَجُوزُ الْتِزَامُها شَرْعًا، وكطَلَاقِ الزَّوْجَةِ الذِي يُعْقِبُ النَّدَمَ.
والوَاجِبُ عَلَى المُؤْمِنِ أَنْ تَكُونَ شَهْوَتُه مَقْصُورَةً عَلَى طَلَبِ مَا أَبَاحَهُ اللَّهُ لَهُ، ورُبَّمَا تَنَاوَلَها بِنِيَّةٍ صَالِحَةٍ، فَأُثِيبَ عَلَيْهَا، وأَنْ يَكُونَ غَضَبُهُ دَفْعًا للْأَذَى فِي الدِّينِ لَهُ أو لغَيْرِه وانْتِقَامًا مِمَّن عَصَى اللَّهَ ورَسُولَه، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قَاتِلُوهُم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤمِنِينَ. ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} [التوبة: 14, 15] .
وهَذِهِ كَانَتْ حَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّه كَانَ لَا يَنْتَقِمُ لنَفْسِهِ، ولَكِنْ إِذَا انْتُهِكَتْ حُرُمَاتُ اللَّهِ لَمْ يَقُمْ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ، وَلَمْ يَضْرِبْ بِيَدِهِ خَادِمًا وَلَا امْرَأَةً إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وخَدَمَهُ أَنَسٌ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لَهُ: (( أُفٍّ ) )قَطُّ، وَلَا قَالَ لَهُ لِشَيْءٍ فَعَلَهُ: لِمَ فَعَلْتَ كَذَا، وَلَا لشَيْءٍ لَمْ يَفْعَلْهُ: أَلَا فَعَلْتَ كَذَا. وفِي رِوَايَةٍ أَنَّه كَانَ إِذَا لَامَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( دَعُوهُ فَلَوْ قُضِيَ شَيْءٌ كَانَ ) ). وفِي رِوَايَةٍ للطَّبَرَانِيِّ: قَالَ أَنَسٌ: خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا دَرَيْتُ شَيْئًا قَطُّ وَافَقَهُ، وَلَا شَيْئًا قَطُّ خَالَفَهُ، رَضِيَ مِنَ اللَّهِ بِمَا كَانَ.
وسُئِلَتْ عَائِشَةُ عَن خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: كَانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ. تَعْنِي: أَنَّه تَأَدَّبَ بآدَابِهِ، وتَخَلَّقَ بأَخْلَاقِهِ، فَمَا مَدَحَهُ القُرْآنُ كَانَ فِيهِ رِضَاهُ، ومَا ذَمَّهُ القُرْآنُ كَانَ فِيهِ سَخَطُهُ، وجَاءَ في رِوَايَةٍ عنها، قَالَتْ: كَانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، يَرْضَى لِرِضَاهُ وَيَسْخَطُ لسَخَطِهِ.
وكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِشِدَّةِ حَيَائِهِ لَا يُواجِهُ أَحَدًا بِمَا يَكْرَهُ، بل تُعْرَفُ الكَرَاهَةُ في وَجْهِهِ، كَمَا في (( الصَّحِيحِ ) )عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّ حَياءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، فَإِذَا رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ، عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ. ولَمَّا بَلَّغَهُ ابنُ مَسْعُودٍ قَوْلَ القَائِلِ: هَذِهِ قِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ. شَقَّ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وتَغيَّرَ وَجْهُهُ وغَضِبَ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ قَالَ: (( قَدْ أُوذِيَ مُوسَى بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ ) ).
وكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَأَى، أو سَمِعَ مَا يَكْرَهُهُ اللَّهُ، غَضِبَ لذَلِكَ، وَقَالَ فِيهِ، وَلَمْ يَسْكُتْ، وَقَدْ دَخَلَ بَيْتَ عَائِشَةَ فَرَأَى سِتْرًا فِيهِ تَصَاوِيرُ، فتَلَوَّنَ وجْهُهُ وهَتَكَهُ، وَقَالَ: (( إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُصَوِّرُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ ) ). وَلَمَّا شُكِيَ إِلَيْهِ الْإِمَامُ الذِي يُطِيلُ بالنَّاسِ صَلَاتَهُ حَتَّى يَتَأَخَّرَ بَعْضُهُم عَنِ الصَّلَاةِ مَعَه غَضِبَ، واشْتَدَّ غَضَبُه، ووَعَظَ النَّاسَ، وأَمَرَ بالتَّخْفِيفِ.