فهرس الكتاب
ولَمَّا رَأَى النُّخَامَةَ فِي قِبْلَةِ المَسْجِدِ، تَغَيَّظَ، وحَكَّهَا، وقَالَ: (( إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ اللَّهَ حِيَالَ وَجْهِهِ، فَلَا يَتَنَخَّمَنَّ حِيَالَ وَجْهِهِ فِي الصَّلَاةِ ) ).
وكَانَ مِن دُعَائِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا ) ). وهَذَا عَزِيزٌ جِدًّا، وهو أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَقُولُ سِوَى الْحَقِّ سَوَاءٌ غَضِبَ أو رَضِيَ؛ فَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ إِذَا غَضِبَ لَا يَتَوَقَّفُ فيما يَقُولُ.
وخَرَّجَ الطَّبَرَانِيُّ مِن حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: (( ثَلَاثٌ مِنْ أَخْلَاقِ الْإِيمَانِ: مَنْ إِذَا غَضِبَ لَمْ يُدْخِلْهُ غَضَبُهُ فِي بَاطِلٍ، وَمَنْ إِذَا رَضِيَ لَمْ يُخْرِجْهُ رِضَاهُ مِنْ حَقٍّ، وَمَنْ إِذَا قَدَرَ لَمْ يَتَعَاطَ مَا لَيْسَ لَهُ ) ).
وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ رَجُلَيْنِ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَنَا؛ كَانَ أَحَدُهُمَا عَابِدًا، وَكَانَ الْآخَرُ مُسْرِفًا عَلَى نَفْسِهِ، فَكَانَ العَابِدُ يَعِظُهُ، فَلَا يَنْتَهِي، فَرَآهُ يَوْمًا عَلَى ذَنْبٍ اسْتَعْظَمَهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ. فَغَفَرَ اللَّهُ لِلمُذْنِبِ، وَأَحْبَطَ عَمَلَ العابِدِ. وقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَقَدْ تَكَلَّمَ بكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وآخِرَتَه. فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَذِّرُ النَّاسَ أَنْ يَقُولُوا مِثْلَ هَذِهِ الكَلِمَةِ فِي غَضَبٍ. وَقَدْ خَرَّجَه الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وأَبُو دَاوُدَ. فَهَذَا غَضِبَ للَّهِ، ثُمَّ تَكَلَّمَ في حَالِ غَضَبِهِ للَّهِ بِمَا لَا يَجُوزُ، وحَتَمَ عَلَى اللَّهِ بِمَا لَا يَعْلَمُ، فأَحْبَطَ اللَّهُ عَمَلَهُ، فكَيْفَ بِمَن تَكَلَّمَ فِي غَضَبِهِ لنَفْسِهِ، ومُتَابَعَةِ هَوَاهُ بِمَا لَا يَجُوزُ؟!
وفِي (( صَحِيحِ مُسْلِمٍ ) )عَنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ، أنَّهُم كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وامْرَأَةٌ مِن الْأَنْصَارِ عَلَى نَاقَةٍ، فَضَجِرَتْ، فَلَعَنَتْهَا، فسَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: (( خُذُوا مَتَاعَهَا وَدَعُوهَا ) ).
وفِيهِ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ، ورَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ عَلَى نَاضِحٍ لَهُ، فَتَلَدَّنَ عَلَيْهِ بَعْضَ التَّلَدُّنِ، فَقَالَ لَهُ: سِرْ، لَعَنَكَ اللَّهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( انْزِلْ عَنْهُ، فَلَا تَصْحَبْنَا بِمَلْعُونٍ، لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللَّهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءً، فَيَسْتَجِيبَ لَكُمْ ) ).
فهَذَا كُلُّه يَدُلُّ عَلَى أَنَّ دُعَاءَ الغَضْبَانِ قَدْ يُجَابُ إِذَا صَادَفَ سَاعَةَ إِجَابَةٍ، وَأَنَّه يُنْهَى عَنِ الدُّعَاءِ عَلَى نَفْسِهِ وأَهْلِهِ ومَالِهِ فِي الغَضَبِ.
وأَمَّا مَا قَالَه مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} [يونس:11] ، قَالَ: هو الوَاصِلُ لِأَهْلِهِ ووَلَدِهِ ومَالِهِ، إِذَا غَضِبَ عَلَيْهِ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا تُبَارِكْ فِيهِ، اللَّهُمَّ الْعَنْهُ. يَقُولُ: لَوْ عَجَّلَ لَهُ ذَلِكَ، لَأَهْلَكَ مَنْ دَعَا عَلَيْهِ، فأَمَاتَه. فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّه لَا يُسْتَجَابُ جَمِيعُ مَا يَدْعُو بِهِ الغَضْبَانُ عَلَى نَفْسِهِ وأَهْلِهِ ومَالِهِ، والحَدِيثُ دَلَّ عَلَى أَنَّه قَدْ يُسْتَجَابُ لمُصَادَفَتِهِ سَاعَةَ إِجَابَةٍ.
وأَمَّا مَا رُوِيَ عَنِ الفُضَيْلِ بنِ عِيَاضٍ قَالَ: ثَلَاثَةٌ لَا يُلَامُونَ عَلَى غَضَبٍ: الصَّائِمُ والمَرِيضُ والمُسَافِرُ. وعَنِ الْأَحْنَفِ بنِ قَيْسٍ قَالَ: يُوحِي اللَّهُ إِلَى الحَافِظَيْنِ اللَّذَيْنِ مَعَ ابنِ آدَمَ: لَا تَكْتُبَا عَلَى عَبْدِي في ضَجَرِهِ شَيْئًا. وعَنْ أَبِي عِمْرَانَ الجَوْنِيِّ قَالَ: إِنَّ المَرِيضَ إِذَا جَزِعَ فأَذْنَبَ، قَالَ المَلَكُ الذِي عَلَى اليَمِينِ للمَلَكِ الذِي عَلَى الشِّمَالِ: لَا تَكْتُبْ. خَرَّجَهُ ابنُ أَبِي الدُّنْيَا. فَهَذَا كُلُّه لَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ صَحِيحٌ مِن الشَّرْعِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، والْأَحَادِيثُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مِن قَبْلُ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ.
وقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِذَا غَضِبْتَ فَاسْكُتْ ) ). يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الغَضْبَانَ مُكَلَّفٌ فِي حَالِ غَضَبِهِ بالسُّكُوتِ، فيَكُونُ حِينَئذٍ مُؤَاخَذًا بالكَلَامِ، وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّه أَمَرَ مَن غَضِبَ أَنْ يَتَلَافَى غَضَبَه بِمَا يُسْكِنُه مِن أَقْوَالٍ وأَفْعَالٍ، وهَذَا هو عَيْنُ التَّكْلِيفِ لَهُ بقَطْعِ الغَضَبِ، فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّه غَيْرُ مُكَلَّفٍ في حَالِ غَضَبِهِ بِمَا يَصْدُرُ مِنْهُ.