الصفحة 126 من 391

أَحَدُهُما: أَنَّه يُفعَلُ به كَمَا فَعَلَ، وهو قَوْلُ مَالِكٍ والشَّافِعِيِّ وأَحْمَدَ فِي المَشْهُورِ عَنْهُ، وفي (( الصَّحِيحَيْنِ ) )عَنْ أَنَسٍ قَالَ: خَرَجَتْ جَارِيَةٌ عَلَيْها أَوْضَاحٌ بِالمَدِينَةِ، فَرَمَاهَا يَهُودِيٌّ بِحَجَرٍ، فَجِيءَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِهَا رَمَقٌ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( فُلَانٌ قَتَلَكِ؟ ) ). فَرَفَعَتْ رَأْسَها، فَقَالََ لَهَا فِي الثَّالِثَةِ: (( فُلَانٌ قَتَلَكِ؟ ) ). فَخَفَضَتْ رَأْسَها، فَدَعَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرَضَخَ رَأْسَهُ بَيْنَ الحَجَرَيْنِ.

وفي رِوَايَةٍ لَهُمَا: فَأُخِذَ فَاعْتَرَفَ. وفي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: أَنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ قَتَلَ جَارِيَةً مِنَ الأَنْصارِ عَلَى حُلِيٍّ لَهَا، ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي القَلِيبِ، وَرَضَخَ رَأْسَها بِالحِجَارَةِ، فَأُخِذَ، فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأُمِرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ حَتَّى يَمُوتَ، فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ.

والقَوْلُ الثَّانِي: لَا قَوَدَ إلَّا بالسَّيْفِ، وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وأَبِي حَنِيفَةَ، ورِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ.

وعن أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: يُفْعَلُ بِهِ كَمَا فَعَلَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَرَّقَه بالنَّارِ أو مَثَّلَ بِهِ، فيُقْتَلُ بالسَّيْفِ؛ للنَّهْيِ عَنِ المُثْلَةِ وعَنِ التَّحْرِيقِ بالنَّارِ. نَقَلَهَا عنه الْأَثْرَمُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( لَا قَوَدَ إِلَّا بِالسَّيْفِ ) ). خَرَّجَه ابنُ مَاجَه وإِسْنَادُه ضَعِيفٌ، قَالَ أَحْمَدُ: يُرْوَى: (( لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ ) ). ولَيْسَ إِسْنَادُهُ بِجَيِّدٍ، وحَدِيثُ أَنَسٍ -يَعْنِي: فِي قَتْلِ اليَهُودِيِّ بالْحِجَارَةِ- أَسْنَدُ منه وأَجْوَدُ.

ولو مَثَّلَ به، ثُمَّ قَتَلَهُ؛ مِثْلَ أَنْ قَطَّعَ أَطْرَافَه، ثُمَّ قَتَلَهُ، فَهَلْ يُكْتَفَى بقَتْلِهِ أم يُصْنَعُ بِهِ كَمَا صَنَعَ، فَتُقَطَّعَ أَطْرَافُه ثُمَّ يُقْتَلَ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: يُفْعَلُ بِهِ كَمَا فَعَلَ سَوَاءً، وهو قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ والشَّافِعِيِّ وأَحْمَدَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وإِسْحَاقَ وغَيْرِهِم.

والثَّانِي: يُكْتَفَى بقَتْلِهِ، وهو قولُ الثَّوْرِيِّ وأَحْمَدَ في رِوَايَةٍ وَأَبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ، وقَالَ مَالِكٌ: إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ والتَّعْذِيبِ، فُعِلَ بِهِ كَمَا فَعَلَ، وإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى هَذَا الوَجْهِ اكْتُفِيَ بقَتْلِهِ.

الوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ القَتْلُ للكُفْرِ؛ إِمَّا لكُفْرٍ أَصْلِيٍّ، أو لرِدَّةٍ عَنِ الإسْلَامِ، فأَكْثَرُ العُلَمَاءِ عَلَى كَرَاهَةِ المُثْلَةِ فِيهِ أَيْضًا، وأَنَّه يُقْتَلُ فِيهِ بالسَّيْفِ، وَقَدْ رُوِيَ عن طَائِفَةٍ مِن السَّلَفِ جَوَازُ التَّمْثِيلِ فيه بالتَّحْرِيقِ بالنَّارِ وغَيْرِ ذَلِكَ، كَمَا فَعَلَه خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ وغَيْرُه.

ورُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّه حَرَّقَ الفُجَاءَةَ بالنَّارِ.

ورُوِيَ أَنَّ أُمَّ قِرْفَةَ الفَزَارِيَّةَ ارْتَدَّتْ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فأَمَرَ بِهَا، فَشُدَّتْ ذَوَائِبُها في أَذْنَابِ قَلُوصَيْنِ أو فَرَسَيْنِ، ثُمَّ صَاحَ بِهِمَا فتَقَطَّعَتِ المَرْأَةُ. وأَسَانِيدُ هَذِهِ القِصَّةِ مُنْقَطِعَةٌ. وَقَدْ ذَكَرَ ابنُ سَعْدٍ في (( طَبَقَاتِهِ ) )بغَيْرِ إِسْنَادٍ أَنَّ زَيْدَ بنَ حَارِثَةَ قَتَلَهَا هَذِهِ القِتْلَةَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَخْبَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك.

وصحَّ عن عَلِيٍّ أَنَّه حَرَّقَ المُرْتَدِّينَ، وأَنْكَرَ ذَلِكَ ابنُ عَبَّاسٍ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إِنَّه لَمْ يُحَرِّقْهُم، وإِنَّمَا دَخَّنَ عَلَيْهِم حَتَّى مَاتُوا. وقِيلَ: إِنَّه قَتَلَهُم، ثُمَّ حَرَّقَهُم. ولَا يَصِحُّ ذَلِكَ. ورُوِيَ عنه أَنَّه جِيءَ بِمُرْتَدٍّ، فأَمَرَ بِهِ فَوُطِئَ بالْأَرْجُلِ حَتَّى مَاتَ.

واخْتَارَ ابنُ عَقِيلٍ - مِن أَصْحَابِنَا - جَوَازَ القَتْلِ بالتَّمْثِيلِ للكُفْرِ لَا سِيَّمَا إِذَا تَغَلَّظَ، وحُمِلَ النَّهْيُ عن المُثْلَةِ عَلَى القَتْلِ بالقِصَاصِ، واسْتَدَلَّ مَن أَجَازَ ذَلِكَ بِحَدِيثِ العُرَنِيِّينَ، وَقَدْ خَرَّجَاهُ في (( الصَّحِيحَيْنِ ) )مِن حَدِيثِ أَنَسٍ، أَنَّ أُنَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المَدِينَةَ فَاجْتَوَوْهَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَخْرُجُوا إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَتَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، فَافْعَلُوا ) ). فَفَعَلُوا فَصَحُّوا، ثُمَّ مَالُوا عَلَى الرِّعَاءِ، فَقَتَلُوهُم، وَارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ، وَسَاقُوا ذَوْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَعَثَ فِي أَثَرِهِمْ، فَأُتِيَ بِهِمْ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُم وَأَرْجُلَهُم،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت