الصفحة 127 من 391

وَسَمَلَ أَعْيُنَهُم، وَتَرَكَهُم فِي الحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا، وفي رِوَايَةٍ: ثُمَّ نُبِذُوا في الشَّمْسِ حَتَّى مَاتُوا، وفي رِوَايَةٍ: وسُمِّرَتْ أَعْيُنُهُم، وَأُلْقُوا في الْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ، وفي رِوَايَةٍ للتِّرْمِذِيِّ: قَطَعَ أَيْدِيَهُم وَأَرْجُلَهُم مِنْ خِلَافٍ، وفي رِوَايَةٍ للنَّسَائِيِّ: وصَلَبَهُم.

وقد اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي وَجْهِ عُقُوبَةِ هؤلاء، فمِنْهُم مَن قَالَ: مَن فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِم فارْتَدَّ، وحَارَبَ، وأَخَذَ المَالَ، صُنِعَ بِهِ كَمَا صُنِعَ بهؤلاء. ورُوِيَ هَذَا عَنْ طَائِفَةٍ، منهم أَبُو قِلَابَةَ، وهو رِوَايَةٌ عن أَحْمَدَ.

ومنهم مَنْ قَالَ: بل هَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّمْثِيلِ بِمَن تَغَلَّظَتْ جَرَائِمُهُ في الْجُمْلَةِ، وإِنَّمَا نُهِيَ عن التَّمْثِيلِ في القِصَاصِ. وهو قَوْلُ ابنِ عَقِيلٍ مِن أَصْحَابِنَا.

ومِنْهُم مَن قَالَ: بل نُسِخَ مَا فُعِلَ بالعُرَنِيِّينَ بالنَّهْيِ عن المُثْلَةِ.

ومنهم مَن قَالَ: كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الحُدُودِ وآيَةِ المُحَارَبَةِ، ثُمَّ نُسِخَ بذَلِكَ. وهَذَا قَوْلُ جَمَاعَةٍ، منهم الْأَوْزَاعِيُّ وأَبُو عُبَيْدٍ.

ومنهم مَن قَالَ: بل مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِم إِنَّمَا كَانَ بآيَةِ المُحَارَبَةِ، وَلَمْ يُنْسَخْ شَيْءٌ مِن ذلك. وقالُوا: إِنَّمَا قَتَلَهُم النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقَطَعَ أَيْدِيَهُم؛ لِأَنَّهُم أَخَذُوا الْمَالَ، ومَن أَخَذَ الْمَالَ وقَتَلَ، قُطِعَ وقُتِلَ، وصُلِبَ حَتْمًا؛ فَيُقتَلُ لِقَتْلِهِ، ويُقْطَعُ لِأَخْذِهِ الْمَالَ يَدُه ورِجْلُه مِن خِلَافٍ، ويُصلَبُ لِجَمْعِهِ بَيْنَ الجِنَايَتَيْنِ وهُمَا القَتْلُ وأَخْذُ الْمَالِ. وهَذَا قَوْلُ الحَسَنِ، ورِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ.

وإِنَّمَا سَمَلَ أَعْيُنَهُم؛ لِأَنَّهُم سَمَلُوا أَعْيُنَ الرُّعَاةِ. كَذَا خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ أَنَسٍ، وَذَكَرَ ابنُ شِهَابٍ أَنَّهُم قَتَلُوا الرَّاعِيَ، ومَثَّلُوا بِهِ، وذَكَرَ ابنُ سَعْدٍ أَنَّهُم قَطَعُوا يَدَهُ ورِجْلَه، وغَرَسُوا الشَّوْكَ فِي لِسَانِهِ وعَيْنَيْهِ حَتَّى مَاتَ، وحِينَئذٍ، فَقَدْ يَكُونُ قَطْعُهُم، وسَمْلُ أَعْيُنِهِم، وتَعْطِيشُهم قِصَاصًا، وهَذَا يَتَخَرَّجُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ المُحَارِبَ إِذَا جَنَى جِنَايَةً تُوجِبُ القِصَاصَ اسْتُوْفِيَتْ مِنْه قَبْلَ قَتْلِهِ، وهو مَذْهَبُ أَحْمَدَ. لَكِنْ هَلْ يُسْتَوْفَى منه تَحَتُّمًا كقَتْلِهِ أم عَلَى وَجْهِ القِصَاصِ، فيَسْقُطَ بعَفْوِ الوَلِيِّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ عِنْهُ، ولَكِنَّ رِوَايَةَ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ قَطْعَهُم مِن خِلَافٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَطْعَهُم للمُحَارَبَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونُوا قَدْ قَطَعُوا يَدَ الرَّاعِي ورِجْلَه مِن خِلَافٍ، واللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ أَذِنَ فِي التَّحْرِيقِ بالنَّارِ، ثُمَّ نَهَى عَنْهُ، كَمَا فِي (( صَحِيحِ البُخَارِيِّ ) )عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بَعْثٍ فَقَالََ: (( إِنْ وَجَدْتُم فُلَانًا وفُلَانًا - لِرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ - فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ ) ). ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَرَدْنَا الخُرُوجَ: (( إِنِّي كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحْرِقُوا فُلَانًا وفُلَانًا بِالنَّارِ، وَإِنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللَّهُ، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا ) ).

وفيه أَيْضًا عَنِ ابنِ عبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ عزَّ وَجَلَّ ) ).

وخَرَّجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وأَبُو دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ مِن حَدِيثِ ابنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَرَرْنَا بِقَرْيَةِ نَمْلٍ قَدْ أُحْرِقَتْ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: (( إِنَّه لَا يَنْبَغِي لِبَشَرٍ أَنْ يُعَذِّبَ بِعَذَابِ اللَّهِ عزَّ وَجَلَّ ) ).

وقَدْ حَرَّقَ خالِدٌ جَمَاعَةً فِي الرِّدَّةِ، ورُوِيَ عَنْ طَائِفَةٍ مِن الصَّحَابَةِ تَحْرِيقُ مَن عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّه أَشَارَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَقْتُلَه ثُمَّ يُحَرِّقَهُ بالنَّارِ، واسْتَحْسَنَ ذَلِكَ إِسْحَاقُ بنُ رَاهُويَه؛ لِئَلَّا يَكُونَ تَعْذِيبًا بالنَّارِ.

وَفِي (( مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ) )أَنَّ عَلِيًّا لَمَّا ضَرَبَهُ ابنُ مُلْجَمٍ قَالَ: افْعَلُوا بِهِ كَمَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَفْعَلَ برَجُلٍ أَرَادَ قَتْلَه، قَالَ: (( اقْتُلُوهُ ثُمَّ حَرِّقُوهُ ) ).

وأَكْثَرُ العُلَمَاءِ عَلَى كَرَاهَةِ التَّحْرِيقِ بالنَّارِ حَتَّى للهَوَامِّ، وقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: تَحْرِيقُ العَقْرَبِ بالنَّارِ مُثْلَةٌ. ونَهَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ عَنْ تَحْرِيقِ البُرْغُوثِ بالنَّارِ. وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يُشْوَى السَّمَكُ فِي النَّارِ وهو حَيٌّ. وَقَالَ: الجَرَادُ أَهْونُ؛ لِأَنَّهُ لَا دَمَ لَهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت