فهرس الكتاب
وقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ صَبْرِ البَهَائِمِ، وهو: أَنْ تُحْبَسَ البَهِيمَةُ ثُمَّ تُضْرَبَ بالنَّبْلِ ونَحْوِه حَتَّى تَمُوتَ. فَفِي (( الصَّحِيحَيْنِ ) )عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ تُصْبَرَ البَهائِمُ.
وفيهما، أيضًا عن ابنِ عُمَرَ: أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ نَصَبُوا دَجَاجَةً يَرْمُونَها، فَقَالَ ابنُ عُمَرَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَنَ مَنْ فَعَلَ هَذَا.
وخرَّجَ مُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُتَّخَذَ شَيْءٌ فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا. والغَرَضُ: هو الذي يُرْمَى فيه بالسِّهَامِ.
وفي (( مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ) )، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الرَّمِيَّةِ؛ أَنْ تُرْمَى الدَّابَّةُ ثُمَّ تُؤْكَلَ؛ وَلَكِنْ تُذْبَحُ، ثُمَّ لْيَرْمُوا إِنْ شَاءُوا )) . وفِي هَذَا المَعْنَى أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ.
فلِهَذَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإِحْسَانِ القَتْلِ والذَّبْحِ، وأَمَرَ أَنْ تُحَدَّ الشَّفْرَةُ، وأَنْ تُرَاحَ الذَّبِيحَةُ، يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الذَّبْحَ بالْآلَةِ الحَادَّةِ يُرِيحُ الذَّبِيحَةَ بتَعْجِيلِ زُهُوقِ نَفْسِهَا.
وخَرَّجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وابنُ مَاجَه مِن حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَدِّ الشِّفَارِ، وَأَنْ تُوارَى عَنِ البَهَائِمِ، وَقَالَ: (( إِذَا ذَبَحَ أحَدُكُم، فَلْيُجْهِزْ ) ). يَعْنِي: فَلْيُسْرِعِ الذَّبْحَ.
وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بالرِّفْقِ بالذَّبِيحَةِ عِنْدَ ذَبْحِهَا. وخَرَّجَ ابنُ مَاجَه، مِن حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرَجُلٍ وهو يَجُرُّ شَاةً بأُذُنِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( دَعْ أُذُنَهَا وَخُذْ بِسَالِفَتِهَا ) ). والسَّالِفَةُ: مُقَدَّمُ العُنُقِ.
وخرَّجَ الخَلَّالُ والطَّبَرَانِيُّ مِن حَدِيثِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برَجُلٍ وَاضِعٍ رِجْلَه عَلَى صَفْحَةِ شَاةٍ، وهو يَحُدُّ شَفْرَتَه وهي تَلْحَظُ إِلَيْهِ ببَصَرِهَا، فَقَالَ: (( أَفَلَا قَبْلَ هَذَا؟ تُرِيدُ أَنْ تُمِيتَهَا مَوْتَاتٍ؟ ) ). وَقَدْ رُوِيَ عَن عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا خَرَّجَه عَبْدُ الرَّزَّاقِ وغَيْرُه، وفيه زِيَادَةٌ: (( هَلَّا حَدَدْتَ شَفْرَتَكَ قَبْلَ أَنْ تُضْجِعَهَا ) ).
وقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: تُقَادُ إِلَى الذَّبْحِ قَوْدًا رَفِيقًا، وتُوارَى السِّكِّينُ عنها، وَلَا تُظْهَرُ السِّكِّينُ إِلَّا عِنْدَ الذَّبْحِ، أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذَلِكَ؛ أَنْ تُوارَى الشِّفَارُ. وَقَالَ: مَا أُبْهِمَتْ عَلَيْهِ البَهَائِمُ فَلَمْ تُبْهَمْ أَنَّها تَعْرِفُ رَبَّهَا، وتَعْرِفُ أَنَّهَا تَمُوتُ. وقَالَ: يُرْوَى عن ابنِ سَابِطٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ البَهَائِمَ جُبِلَتْ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا عَلَى أَنَّهَا تَعْرِفُ رَبَّهَا وتَخَافُ المَوْتَ.
وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بقَطْعِ الْأَوْدَاجِ عِنْدَ الذَّبْحِ، كَمَا خَرَّجَه أَبُو دَاوُدَ مِن حَدِيثِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وأَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّهُ نَهَى عَنْ شَرِيطَةِ الشَّيْطَانِ وَهِي الَّتِي تَذْبَحُ فَتَقْطَعُ الجِلْدَ، وَلَا تُقْرِي الْأَوْدَاجَ، وخَرَّجَه ابنُ حِبَّانَ فِي (( صَحِيحِه ) )وعندَه قَالََ عِكْرِمَةُ: كَانُوا يَقْطَعُونَ مِنْهَا الشَّيْءَ اليَسِيرَ، ثُمَّ يَدَعُونَهَا حَتَّى تَمُوتَ، وَلَا يَقْطَعُونَ الوَدَجَ، فنُهِي عَنْ ذَلِكَ.
ورَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي كِتَابِهِ عَن مُحَمَّدِ بنِ رَاشِدٍ، عن الوَضِينِ بنِ عَطَاءٍ، قَالَ: إنَّ جزَّارًا فَتَحَ بَابًا عَلَى شَاةٍ ليَذْبَحَهَا فانْفَلَتَتْ مِنْهُ حَتَّى جَاءَت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فاتَّبَعَهَا، فأَخَذَ يَسْحَبُهَا برِجْلِهَا، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( اصْبِرِي لِأَمْرِ اللَّهِ، وَأَنْتَ يَا جَزَّارُ فَسُقْهَا إِلَى المَوْتِ سَوْقًا رَفِيقًا ) ).
وبإِسْنَادِهِ عن ابنِ سِيرِينَ أَنَّ عُمَرَ رَأَى رَجُلًا يَسْحَبُ شَاةً برِجْلِهَا ليَذْبَحَهَا، فَقَالَ لَهُ: ويْلَكَ قُدْهَا إِلَى المَوْتِ قَوْدًا جَمِيلًا.
ورَوَى مُحَمَّدُ بنُ زِيَادٍ أَنَّ ابنَ عُمَرَ رَأَى قَصَّابًا يَجُرُّ شَاةً، فَقَالَ: سُقْهَا إِلَى المَوْتِ سَوْقًا جَمِيلًا. فأَخْرَجَ القَصَّابُ شَفْرَتَه، فَقَالَ: مَا أَسُوقُهَا سَوْقًا جَمِيلًا، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَذْبَحَهَا السَّاعَةَ. فَقَالَ: سُقْهَا سَوْقًا جَمِيلًا.