فهرس الكتاب
وتَارَةً تُضَافُ التَّقْوَى إِلَى اسْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، كقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [المائدة: 96] ، وقَوْلِهِ: {يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ واتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر:8] ، فإِذَا أُضِيفَتِ التَّقْوَى إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى، فالْمَعْنَى: اتَّقُوا سَخَطَهُ وغَضَبَهُ، وهو أَعْظَمُ مَا يُتَّقَى، وعَنْ ذَلِكَ يَنْشَأُ عِقَابُه الدُّنْيَوِيُّ والْأُخْرَوِيُّ، قَالَ تَعَالَى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} [آل عمران:28] ، وقَالَ تَعَالَى: {هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} [المدثر: 56] ، فهو سُبْحَانَه أَهْلٌ أَنْ يُخْشَى ويُهَابَ ويُجَلَّ ويُعَظَّمَ فِي صُدُورِ عِبَادِهِ حَتَّى يَعْبُدُوهُ ويُطِيعُوه، لِمَا يَسْتَحِقُّه مِن الْإِجْلَالِ والْإِكْرَامِ، وصِفَاتِ الكِبْرِيَاءِ والعَظَمَةِ وقُوَّةِ البَطْشِ، وشِدَّةِ البَأْسِ. وفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هَذِهِ الآيَةِ: {هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} [المدثر: 56] قَالَ: (( قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا أَهْلٌ أَنْ أُتَّقَى، فَمَنِ اتَّقَانِي فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِيَ إِلَهًا آخَرَ، فَأَنَا أَهْلٌ أَنْ أَغْفِرَ لَهُ ) )
وتَارَةً تُضَافُ التَّقْوَى إِلَى عِقَابِ اللَّهِ وإِلَى مَكَانِهِ، كالنَّارِ، أو إِلَى زَمَانِهِ، كيَوْمِ القِيَامَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {واتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [آل عمران: 131] ، وقَالَ تَعَالَى: {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ والْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ للْكَافِرِينَ} [البقرة: 24] ، وقَالَ تَعَالَى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} ، {واتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} [البقرة:48،281] .
ويَدْخُلُ فِي التَّقْوَى الكَامِلَةِ فِعْلُ الوَاجِبَاتِ، وتَرْكُ المُحَرَّمَاتِ والشُّبُهَاتِ، ورُبَّمَا دَخَلَ فيها بَعْدَ ذَلِكَ فِعْلُ المَنْدُوبَاتِ، وتَرْكُ المَكْرُوهَاتِ، وهو أَعْلَى دَرَجَاتِ التَّقْوَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {الم. ذَلِكَ الكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [البقرة: 1 - 4] .
وقَالَ تَعَالَى: {وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ باللَّهِ وَاليَوْمِ الْآخِرِ وَالمَلَائِكَةِ والكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ والسَّائِلِينَ وفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ والْمُوفُونَ بعَهْدِهِم إِذَا عَاهَدُوا والصَّابِرِينَ فِي البَأْسَاءِ والضَّرَّاءِ وَحِينَ البَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ} [البقرة: 177] .
قَالَ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ: يُنَادَى يَوْمَ القِيَامَةِ: أَيْنَ المُتَّقُونَ؟ فَيَقُومُونَ فِي كَنَفٍ مِن الرَّحْمَنِ لَا يَحْتَجِبُ مِنْهُم وَلَا يَسْتَتِرُ، قَالُوا لَهُ: مَنِ المُتَّقُونَ؟ قَالَ: قَوْمٌ اتَّقَوُا الشِّرْكَ وعِبَادَةَ الْأَوْثَانِ، وأَخْلَصُوا للَّهِ بالعِبَادَةِ.
وقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: المُتَّقُونَ الذِينَ يَحْذَرُونَ مِن اللَّهِ عُقُوبَتَهُ فِي تَرْكِ مَا يَعْرِفُونَ مِن الهُدَى، ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ في التَّصْدِيقِ بِمَا جَاءَ بِهِ.
وقَالَ الحَسَنُ: المُتَّقُونَ اتَّقَوْا مَا حُرِّمَ عَلَيْهِم، وَأَدَّوْا مَا افْتُرِضَ عَلَيْهِم.
وقَالَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ: لَيْسَ تَقْوَى اللَّهِ بصِيَامِ النَّهَارِ، ولَا بقِيَامِ اللَّيْلِ، والتَّخْلِيطِ فيمَا بَيْنَ ذَلِكَ، ولَكِنَّ تَقْوَى اللَّهِ تَرْكُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وأَدَاءُ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ، فَمَنْ رُزِقَ بَعْدَ ذَلِكَ خَيْرًا، فهو خَيْرٌ إِلَى خَيْرٍ.
وقَالَ طَلْقُ بنُ حَبِيبٍ: التَّقْوَى أَنْ تَعْمَلَ بطَاعَةِ اللَّهِ عَلَى نَورٍ مِن اللَّهِ تَرْجُو ثَوَابَ اللَّهِ، وأَنْ تَتْرُكَ مَعْصِيَةَ اللَّهِ عَلَى نُورٍ مِن اللَّهِ تَخَافُ عِقَابَ اللَّهِ.
وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: تَمَامُ التَّقْوَى أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ العَبْدُ حَتَّى يَتَّقِيَهُ مِن مِثْقَالِ ذَرَّةٍ، حَتَّى يَتْرُكَ بَعْضَ مَا يَرَى أَنَّه حَلَالٌ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا, يَكُونُ حِجَابًا بَيْنَهُ وبَيْنَ الحَرَامِ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ بَيَّنَ للعِبَادِ الذِي يُصَيِّرُهم إِلَيْهِ فَقَالَ: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة:7،8] ،فَلَا تَحْقِرَنَّ شَيْئًا مِن الْخَيْرِ أَنْ تَفْعَلَهُ، وَلَا شَيْئًا مِن الشَّرِّ أَنْ تَتَّقِيَهُ.
وقَالَ الْحَسَنُ: مَا زَالَتِ التَّقْوَى بالمُتَّقِينَ حَتَّى تَرَكُوا كَثِيرًا مِن الْحَلَالِ مَخَافَةَ الحَرَامِ.
وقَالَ الثَّوْرِيُّ: إنَّمَا سُمُّوا مُتَّقِينَ؛ لِأَنَّهُم اتَّقَوا مَا لَا يُتَّقَى.
وقَالَ مُوسَى بنُ أَعْينَ: المُتَّقُونَ تَنَزَّهُوا عَن أَشْيَاءَ مِن الحَلَالِ مَخَافَةَ أَنْ يَقَعُوا فِي الحَرَامِ، فَسَمَّاهُم اللَّهُ مُتَّقِينَ.