فهرس الكتاب
أَحَدُهُما: أَنَّ مَيْمُونَ بنَ أَبِي شَبِيبٍ، ويُقَالُ: ابنُ شَبِيبٍ لَمْ يُخَرِّجْ لَهُ البُخَارِيُّ في (( صَحِيحِه ) )شَيْئًا، وَلَا مُسْلِمٌ إِلَّا فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ حَدِيثًا عن المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ.
والثَّانِي: أَنَّ مَيْمُونَ بنَ أَبِي شَبِيبٍ لَمْ يَصِحَّ سَمَاعُه مِن أَحَدٍ مِن الصَّحَابَةِ، قَالَ الفَلَّاسُ: لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِن رِوَايَاتِهِ عَنِ الصَّحَابَةِ: (( سَمِعْتُ ) )، وَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّ أَحَدًا يَزْعُمُ أَنَّه سَمِعَ مِن أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: رِوَايَتُه عَنْ أَبِي ذَرٍّ وعَائِشَةَ غَيْرُ مُتَّصِلَةٍ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَمْ يُدْرِكْ عَائِشَةَ، وَلَمْ يَرَ عَلِيًّا، وحِينَئذٍ فَلَمْ يُدْرِكْ مُعَاذًا بطَرِيقِ الْأَوْلَى.
ورَأْيُ البُخَارِيِّ وشَيْخِهِ عَلِيِّ بنِ المَدِينِيِّ، وَأَبِي زُرْعَةَ وأَبِي حاَتِمٍ وغَيْرِهِم أَنَّ الحَدِيثَ لَا يَتَّصِلُ إِلَّا بِصِحَّةِ اللُّقِيِّ. وكَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، ونَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي (( الرِّسَالَةِ ) )وهَذَا كُلُّه خِلَافُ رَأْيِ مُسْلِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّه وَصَّى بِهَذِهِ الوَصِيَّةِ مُعَاذًا وأَبَا ذَرٍّ مِن وُجُوهٍ أُخَرَ، فَخَرَّجَ البَزَّارُ مِن حَدِيثِ ابنِ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ مُعَاذٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ إِلَى قَوْمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي، قَالَ: (( أَفْشِ السَّلَامَ، وَابْذُلِ الطَّعَامَ، وَاسْتَحْي مِنَ اللَّهِ اسْتَحَياءَ رَجُلٍ ذَا هَيْئَةٍ مِنْ أَهْلِكَ، وَإِذَا أَسَأْتَ فَأَحْسِنْ، وَلْيَحْسُنْ خُلُقُكَ مَا اسْتَطَعْتَ ) ).
وخَرَّجَ الطَّبَرَانِيُّ والحَاكِمُ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرِو بنِ العَاصِ: أَنَّ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ أَرَادَ سَفَرًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي، قَالَ: (( اعْبُدِ اللَّهَ، وَلَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا ) )قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زِدْنِي، قَالَ: (( إِذَا أَسَأْتَ فَأَحْسِنْ ) )قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زِدْنِي، قَالَ: (( اسْتَقِمْ وَلْتُحْسِنْ خُلُقَكَ ) ).
وخَرَّجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِن حَدِيثِ دَرَّاجٍ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: (( أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي سِرِّ أَمْرِكَ وَعَلَانِيَتِهِ، وَإِذَا أَسَأْتَ فَأَحْسِنْ، وَلَا تَسْأَلَنَّ أَحَدًا شَيْئًا وَإِنْ سَقَطَ سَوْطُكَ، وَلَا تَقْبِضْ أَمَانَةً، وَلَا تَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ ) ).
وخَرَّجَ أَيْضًا مِن وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي عَمَلًا يُقَرِّبُنِي مِن الْجَنَّةِ ويُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ، قَالَ: (( إِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً، فَاعْمَلْ حَسَنَةً؛ فَإِنَّها عَشْرُ أَمْثَالِهَا ) )قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمِنَ الْحَسَنَاتِ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ؟ قَالَ: (( هِيَ أَحْسَنُ الْحَسَناتِ ) ).
وخَرَّجَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ فِي (( التَّمْهِيدِ ) )بإِسْنَادٍ فِيهِ نَظَرٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ، فَقَال: (( يَا مُعَاذُ, اتَّقِ اللَّهَ، وخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً، فَأَتْبِعْهَا حسَنَةً ) )فَقَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ؟ قَالَ: (( هِي مِنْ أَكْبَرِ الْحَسَنَاتِ ) ). وَقَدْ رُوِيَتْ وَصِيَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذٍ مِن حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ وغَيْرِه بسِيَاقٍ مُطَوَّلٍ مِن وُجُوهٍ فِيهَا ضَعْفٌ.
ويَدْخُلُ فِي هَذَا المَعْنَى حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ: مَا أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الجَنَّةَ؟ قَالَ: (( تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ ) )خَرَّجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وابنُ ماجه والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابنُ حِبَّانَ فِي (( صَحِيحِهِ ) ).
فهَذِهِ الوَصِيَّةُ وَصِيَّةٌ عَظِيمَةٌ جَامِعَةٌ لِحُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ، فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَتَّقُوهُ حَقَّ تُقَاتِهِ، والتَّقْوَى وَصِيَّةُ اللَّهِ للْأَوَّلِينَ والْآخِرِينَ. قَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء:131] .
وأَصْلُ التَّقْوَى: أَنْ يَجْعَلَ العَبْدُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَا يَخَافُه ويَحْذَرُه وِقَايَةً تَقِيهِ مِنْهُ، فَتَقْوَى العَبْدِ لرَبِّهِ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَا يَخْشَاهُ مِن رَبِّهِ مِن غَضَبِهِ وسَخَطِهِ وعِقَابِهِ وِقَايَةً تَقِيهِ مِن ذَلِكَ وهو فِعْلُ طَاعَتِهِ واجْتِنَابُ مَعَاصِيهِ.