الصفحة 133 من 391

وفي التِّرْمِذِيِّ عَنْ يَزِيدَ بنِ سَلَمَةَ: أَنَّه سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنِّي سَمِعْتُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا فَأَخَافُ أَنْ يُنْسِيَنِي أوَّلَه آخرُه، فَحَدِّثْنِي بِكَلِمَةٍ تَكُونُ جِمَاعًا، قَالَ: (( اتَّقِ اللَّهَ فِيمَا تَعْلَمُ ) ).

وَلَمْ يَزَلِ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَتَوَاصَوْنَ بِهَا، كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ في خُطْبَتِهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَوصِيكُمْ بتَقْوَى اللَّهِ، وأَنْ تُثْنُوا عَلَيْهِ بِمَا هو أَهْلُه، وأَنْ تَخلِطُوا الرَّغْبَةَ بالرَّهْبَةِ، وتَجْمَعُوا الْإِلْحَافَ بالْمَسْأَلَةِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَثْنَى عَلَى زَكَرِيَّا وأَهْلِ بَيْتِهِ، فَقَالَ: {إنَّهُم كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا ورَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء:90] .

ولَمَّا حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ، وعَهِدَ إِلَى عُمَرَ، دَعَاهُ، فَوَصَّاهُ بوَصِيَّةٍ، وَأَوَّلُ مَا قَالَ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ يَا عُمَرُ.

وكَتَبَ عُمَرُ إِلَى ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أُوصِيكَ بتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ فَإِنَّهُ مَنِ اتَّقَاهُ وَقَاهُ، ومَنْ أَقْرَضَهُ جَزَاهُ، ومَنْ شَكَرَهُ زَادَهُ، فاجْعَلِ التَّقْوَى نُصْبَ عَيْنَيْكَ وجَلَاءَ قَلْبِكَ.

واسْتَعْمَلَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، فَقَالَ لَهُ: أُوصِيكَ بتَقْوَى اللَّهِ الذِي لَا بُدَّ لَكَ مِن لِقَائِهِ، وَلَا مُنْتَهَى لَكَ دُونَه وهو يَملِكُ الدُّنْيَا والْآخِرَةَ.

وكَتَبَ عُمَرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ إِلَى رَجُلٍ: أُوصِيكَ بتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّتِي لَا يَقْبَلُ غَيْرَها، وَلَا يَرْحَمُ إلَّا أَهْلَها، وَلَا يُثِيبُ إِلَّا عَلَيْهَا؛ فَإِنَّ الوَاعِظِينَ بِهَا كَثِيرٌ، والعَامِلِينَ بِهَا قَلِيلٌ، جَعَلَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ مِنَ المُتَّقِينَ.

ولَمَّا وُلِّيَ خَطَبَ، فحَمِدَ اللَّهَ، وأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: أُوصِيكُم بتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ خَلَفٌ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وَلَيْسَ مِن تَقْوَى اللَّهِ خَلَفٌ.

وقَالَ رَجُلٌ ليُونُسَ بنِ عُبَيْدٍ: أَوْصِنِي، فَقَالَ: أُوصِيكَ بتَقْوَى اللَّهِ والْإِحْسَانِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ.

وقَالَ لَهُ رَجُلٌ يُرِيدُ الحَجَّ: أَوْصِنِي، فَقَالَ اتَّقِ اللَّهَ، فَمَنِ اتَّقَى اللَّهَ، فَلَا وَحْشَةَ عَلَيْهِ.

وقِيلَ لرَجُلٍ مِن التَّابِعِينَ عندَ مَوْتِهِ: أَوْصِنَا، فَقَالَ: أُوصِيكُمْ بِخَاتِمَةِ سُورَةِ النَّحْلِ: {إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 128] .

وكَتَبَ رَجُلٌ مِن السَّلَفِ إِلَى أَخٍ لَهُ: أُوصِيكَ بتَقْوَى اللَّهِ؛ فَإِنَّهَا أَكْرَمُ مَا أَسْرَرْتَ، وأَزْيَنُ مَا أَظْهَرْتَ، وأَفْضَلُ مَا ادَّخَرْتَ، أَعَانَنَا اللَّهُ وإِيَّاكَ عَلَيْهَا، وأَوْجَبَ لَنَا وَلَكَ ثَوَابَهَا.

وكَتَبَ رَجُلٌ مِنْهُم إِلَى أَخٍ لَهُ: أُوصِيكَ وأَنْفُسَنا بالتَّقْوَى؛ فَإِنَّهَا خَيْرُ زَادِ الْآخِرَةِ والْأُولَى، واجْعَلْهَا إِلَى كُلِّ خَيْرٍ سَبِيلَكَ، ومِن كُلِّ شَرٍّ مَهْرَبَكَ، فَقَدْ تَوَكَّلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِأَهْلِهَا بالنَّجَاةِ مِمَّا يَحْذَرُونَ، والرِّزْقِ مِن حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُونَ.

وقَالَ شُعْبَةُ: كُنْتُ إِذَا أَرَدْتُ الخُرُوجَ، قُلْتُ للحَكَمِ: أَلَكَ حَاجَةٌ، فَقَالَ: أُوصِيكَ بِمَا أَوْصَى بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ: (( اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ ) ).

وقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّه كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْألُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالعِفَّةَ وَالغِنَى ) ).

وقَالَ أَبُو ذَرٍّ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ: {ومَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [الطلاق: 2] ، ثُمَّ قَالَ: (( يَا أَبَا ذَرٍّ لَوْ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُم أَخَذُوا بِهَا لَكَفَتْهُمْ ) ).

فَقَوْلُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ ) )مُرَادُه في السِّرِّ والعَلَانِيَةِ حَيْثُ يَرَاهُ النَّاسُ وحَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِن حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: (( أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي سِرِّ أَمْرِكَ وَعَلَانِيَتِهِ ) )، وكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ في دُعَائِهِ: (( أَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ) )وخَشْيَةُ اللَّهِ فِي الغَيْبِ والشَّهَادَةِ هي مِن المُنْجِيَاتِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت