الصفحة 134 من 391

وَقَدْ سَبَقَ مِن حَدِيثِ أَبِي الطُّفَيْلِ, عَنْ مُعَاذٍ, أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: (( اسْتَحِ مِنَ اللَّهِ اسْتِحْيَاءَ رَجُلٍ ذَا هَيْبَةٍ مِنْ أَهْلِكَ ) )وهَذَا هو السَّبَبُ المُوجِبُ لِخَشْيَةِ اللَّهِ في السِّرِّ؛ فَإِنَّ مَنْ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ يَرَاهُ حَيْثُ كَانَ، وأنَّه مُطَّلِعٌ عَلَى بَاطِنِه وظَاهِرِه، وسِرِّهِ وعَلَانِيَتِهِ، واسْتَحْضَرَ ذَلِكَ فِي خَلَوَاتِهِ، أَوْجَبَ لَهُ ذَلِكَ تَرْكَ المَعَاصِي فِي السِّرِّ، وإِلَى هَذَا المَعْنَى الْإِشَارَةُ فِي القُرْآنِ بقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1] .

كَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: زهَّدَنَا اللَّهُ وإِيَّاكُم فِي الحَرَامِ زُهْدَ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ فِي الخَلْوَةِ، فَعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ يَرَاهُ، فَتَرَكَهُ مِن خَشْيَتِهِ، أو كَمَا قَالَ.

وقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَعَزُّ الْأَشْيَاءِ ثَلَاثَةٌ: الجُودُ مِن قِلَّةٍ، والوَرَعُ في خَلْوَةٍ، وكَلِمَةُ الحَقِّ عندَ مَن يُرْجَى ويُخَافُ.

وكَتَبَ ابنُ السَّمَّاكِ الوَاعِظُ إِلَى أَخٍ لَهُ: أَمَّا بَعْدُ، أُوصِيكَ بتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي هو نَجِيُّكَ في سَرِيرَتِكَ ورَقِيبُكَ فِي عَلَانِيَتِكَ، فاجْعَلِ اللَّهَ مِن بَالِكَ عَلَى كُلِّ حَالِكَ في لَيْلِكَ ونَهَارِكَ، وخَفِ اللَّهَ بقَدْرِ قُرْبِهِ مِنْكَ، وقُدْرَتِهِ عَلَيْكَ، واعْلَمْ أَنَّكَ بعَيْنِهِ لَيْسَ تَخْرُجُ مِن سُلْطَانِهِ إِلَى سُلْطَانِ غَيْرِه وَلَا مِن مُلْكِهِ إِلَى مُلْكِ غَيْرِه، فلْيَعْظُمْ منه حَذَرُكَ، ولْيَكْثُرْ مِنْهُ وَجَلُكَ والسَّلَامُ.

وقَالَ أَبُو الجَلَدِ: أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى نَبِيٍّ مِن الْأَنْبِيَاءِ: قُلْ لقَوْمِكَ: مَا بالُكُمْ تَسْتُرُونَ الذُّنُوبَ مِن خَلْقِي، وتُظْهِرُونَهَا لِي؛ إِنْ كُنْتُم تَرَوْنَ أَنِّي لَا أَرَاكُم، فَأَنْتُم مُشْرِكُونَ بِي، وَإِنْ كُنْتُم تَرَونَ أَنِّي أَرَاكُمْ فَلِمَ جَعَلْتُمُونِي أَهْوَنَ النَّاظِرِينَ إِلَيْكُم؟

وكَانَ وُهَيْبُ بنُ الوَرْدِ يَقُولُ: خَفِ اللَّهَ عَلَى قَدْرِ قُدْرَتِهِ عَلَيْكَ، واسْتَحِ منه عَلَى قَدْرِ قُرْبِهِ منك، وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: عِظْنِي، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ أَهْوَنَ النَّاظِرِينَ إِلَيْكَ. كَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَقُولُ: أَتُرَاكَ تَرْحَمُ مَنْ لَمْ تُقِرَّ عَيْنَيْهِ بِمَعْصِيَتِكَ حَتَّى عَلِمَ أَنْ لَا عَيْنَ تَرَاهُ غَيْرُكَ؟

وقَالَ بَعْضُهم: ابنَ آدَمَ, إِنْ كُنْتَ حَيْثُ رَكِبْتَ المَعْصِيَةَ لَمْ تَصْفُ لَكَ مِن عَيْنٍ نَاظِرَةٍ إِلَيْكَ، فَلَمَّا خَلَوْتَ باللَّهِ وَحْدَهُ صَفَتْ لَكَ مَعْصِيَتُهُ، وَلَمْ تَسْتَحِ منه حَيَاءَكَ مِن بَعْضِ خَلْقِهِ، مَا أَنْتَ إِلَّا أَحَدُ رَجُلَيْنِ: إِنْ كُنْتَ ظَنَنْتَ أَنَّه لَا يَرَاكَ، فَقَدْ كَفَرْتَ، وإِنْ كُنْتَ عَلِمْتَ أَنَّه يَرَاكَ فَلَمْ يَمْنَعْكَ منه مَا مَنَعَكَ مِن أَضْعَفِ خَلْقِهِ لَقَدْ اجْتَرَأْتَ عَلَيْهِ.

دَخَلَ بَعْضُهُم غَيْضَةً ذَاتَ شَجَرٍ، فَقَالَ: لو خَلَوْتُ ههنا بِمَعْصِيَةٍ، مَنْ كَانَ يَرَانِي؟ فسَمِعَ هَاتِفًا بصَوْتٍ مَلَأَ الغَيْضَةَ: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14] .

رَاوَدَ بَعْضُهُم أَعْرَابِيَّةً، وَقَالَ لَهَا: مَا يَرَانَا إِلَّا الكَوَاكِبُ، قَالَتْ: فَأَيْنَ مُكَوْكِبُها؟

رَأَى مُحَمَّدُ بنُ المُنْكَدِرِ رَجُلًا وَاقِفًا مَعَ امْرَأَةٍ يُكَلِّمُهَا فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَرَاكُمَا, سَتَرَنَا اللَّهُ وإِيَّاكُمَا.

قَالَ الحَارِثُ المُحَاسِبِيُّ: المُرَاقَبَةُ عِلْمُ القَلْبِ بقُرْبِ الرَّبِّ. وسُئِلَ الجُنَيْدُ بِمَا يُسْتَعَانُ عَلَى غَضِّ البَصَرِ، قَالَ: بعِلْمِكَ أَنَّ نَظَرَ اللَّهِ إِلَيْكَ أَسْبَقُ مِن نَظَرِكَ إِلَى مَا تَنْظُرُه. وكَانَ الإِمامُ أَحْمَدُ يُنشِدُ:

إِذَا مَا خَلَوْتَ الدَّهرَ يَوْمًا فَلَا تَقُلْ ... خَلَوْتُ وَلَكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيبُ

وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ يَغْفُلُ سَاعَةً ... وَلَا أَنَّ مَا يَخْفَى عَلَيْهِ يَغِيبُ

وَكَانَ ابنُ السَّمَّاكِ يُنْشِدُ:

يَا مُدْمِنَ الذَّنْبِ أَمَا تَسْتَحِي ... واللَّهُ في الخَلْوَةِ ثَانِيكا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت