الصفحة 136 من 391

وفي (( الصَّحِيحَيْنِ ) )عَنِ ابنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنْ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَسَكَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فَدَعاهُ فَقَرَأَها عَلَيْهِ، فَقَالَ رَجُلٌ: هَذَا لَهُ خَاصَّةً؟ قَالَ: (( بَلْ للنَّاسِ عَامَّةً ) ).

وقَدْ وَصَفَ اللَّهُ المُتَّقِينَ فِي كِتَابِهِ بِمِثْلِ مَا وَصَّى بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هَذِهِ الوَصِيَّةِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ. والَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُم ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِم وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا علَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُم مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيها ونِعْمَ أَجْرُ العَامِلِينَ} [آل عمران:133 - 136] .

فَوَصَفَ المُتَّقِينَ بِمُعَامَلَةِ الخَلْقِ بالْإِحْسَانِ إِلَيْهِم بالْإِنْفَاقِ، وكَظْمِ الغَيْظِ، والعَفْوِ عنهم، فجَمَعَ بَيْنَ وَصْفِهِم ببَذْلِ النَّدَى، واحْتِمَالِ الْأَذَى، وهَذَا هو غَايَةُ حُسْنِ الخُلُقِ الذِي وَصَّى به النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمُعَاذٍ، ثُمَّ وَصَفَهُم بأَنَّهُم: {إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُم ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِم} وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَيْهَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ المُتَّقِينَ قَدْ يَقَعُ منهم أَحْيَانًا كَبَائِرُ وهي الفَوَاحِشُ، وصَغَائِرُ وهي ظُلْمُ النَّفْسِ، لَكِنَّهُم لَا يُصِرُّونَ عَلَيْهَا، بَلْ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَقِبَ وُقُوعِهَا، فيَسْتَغْفِرُونَه ويَتُوبُونَ إليه منها، والتَّوْبَةُ: هي تَرْكُ الْإِصْرَارِ.

ومَعْنَى قَوْلِهِ: {ذَكَرُوا اللَّهَ} أي: ذَكَرُوا عَظَمَتَه وشِدَّةَ بَطْشِهِ وانْتِقَامِه، ومَا تَوَعَّدَ بِهِ عَلَى المَعْصِيَةِ مِن العِقَابِ، فيُوجِبُ ذَلِكَ لَهُم الرُّجُوعَ فِي الحَالِ والاسْتِغْفَارَ وتَرْكَ الْإِصْرَارِ، وقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} [الأعراف:201] .

وفي (( الصَّحِيحَيْنِ ) )عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا، فَقَالَ: رَبِّ, إِنِّي عَمِلْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْ لِي. فَقَالَ اللَّهُ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ - إِلَى أَنْ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: - فَلْيَعْملْ مَا شَاءَ ) )يَعْنِي مَا دَامَ عَلَى هَذِهِ الحَالِ كُلَّمَا أَذْنَبَ ذَنْبًا اسْتَغْفَرَ مِنْهُ. وفي التِّرْمِذِيِّ مِن حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَلَوْ عَادَ فِي اليَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً ) ).

وخرَّجَ الحَاكِمُ مِن حَدِيثِ عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَحَدُنا يُذْنِبُ، قَالَ: (( يُكْتَبُ عَلَيْهِ ) )، قَالَ: ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ مِنْهُ، قَالَ: (( يُغْفَرُ لَهُ، وَيُتَابُ عَلَيْهِ ) )،قَالَ: فيَعُودُ فيُذْنِبُ، قَالَ: (( يُكْتَبُ عَلَيْهِ ) )،قَالَ: ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ منه ويَتُوبُ، قَالَ: (( يُغْفَرُ لَهُ، وَيُتابُ عَلَيهِ، وَلَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا ) ).

وخرَّجَ الطَّبَرَانِيُّ بإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: جَاءَ حَبِيبُ بنُ الحَارِثِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّي رَجُلٌ مِقْرافٌ للذُّنُوبِ، قالَ: (( فَتُبْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ) )، قَالَ: أَتُوبُ، ثُمَّ أَعُودُ، قَالَ: (( فَكُلَّمَا أَذْنَبْتَ، فَتُبْ ) )، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِذًا تَكْثُرُ ذُنُوبِي، قَالَ: (( فَعَفْوُ اللَّهِ أَكْثَرُ مِنْ ذُنُوبِكَ يا حَبِيبَ بنَ الحَارِثِ ) ). وخَرَّجَه بِمَعْنَاهُ مِن حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا بإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.

وبإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو، قَالَ: مَن ذَكَرَ خَطِيئَةً عَمِلَهَا، فوَجِلَ قَلْبُه منها، واسْتَغْفَرَ اللَّهَ، لَمْ يَحْبِسْهَا شَيْءٌ حَتَّى يُمْحَاهَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت