فهرس الكتاب
ورَوَى ابنُ أَبِي الدُّنْيَا بإِسْنَادِهِ عن عَلِيٍّ قَالَ: خِيَارُكُم كُلُّ مُفْتَنٍ تَوَّابٍ، قِيلَ: فَإِنْ عَادَ؟ قَالَ: يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ويَتُوبُ، قِيلَ: فَإِنْ عَادَ؟ قَالَ: يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ويَتُوبُ، قِيلَ: فَإِنْ عَادَ؟ قَالَ: يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ويَتُوبُ، قِيلَ: حَتَّى مَتَى؟ قَالَ: حَتَّى يَكُونَ الشَّيْطَانُ هو المَحْسُورَ.
وخرَّجَ ابنُ ماجه مِن حَدِيثِ ابنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: (( التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ ) ). وقِيلَ للحَسَنِ: أَلَا يَسْتَحْيِي أَحَدُنا مِن رَبِّه يَسْتَغْفِرُ مِن ذُنُوبِهِ، ثُمَّ يَعُودُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ، ثُمَّ يَعُودُ، فَقَالَ: وَدَّ الشَّيْطَانُ لو ظَفِرَ مِنْكُم بِهَذِهِ، فَلَا تَمَلُّوا مِن الاسْتِغْفَارِ. ورُوِيَ عنه أَنَّه قَالَ: مَا أَرَى هَذَا إِلَّا مِن أَخْلَاقِ المُؤْمِنِينَ، يَعْنِي: أَنَّ المُؤْمِنَ كُلَّمَا أَذْنَبَ تَابَ، وَقَدْ رُوِيَ: (( المُؤْمِنُ مُفْتَنٌ تَوَّابٌ ) ). ورُوِيَ مِن حَدِيثِ جَابِرٍ بإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ مَرْفُوعًا: (( المُؤْمِنُ وَاهٍ راقِعٌ فَسَعيدٌ مَنْ هَلَكَ عَلَى رَقْعِهِ ) ).
وقَالَ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ في خُطْبَتِهِ: مَن أَحْسَنَ مِنْكُم، فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، ومَنْ أَسَاءَ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ؛ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لِأَقْوامٍ مِن أَنْ يَعْمَلُوا أَعْمَالًا وظَّفَهَا اللَّهُ في رِقَابِهِم، وكَتَبَها عَلَيْهِم. وفي رِوَايَةٍ أُخْرَى عنه أنَّه قَالَ: أَيُّها النَّاسُ مَنْ ألَمَّ بذَنْبٍ، فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ وَلْيَتُبْ، فَإِنْ عادَ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ وَلْيَتُبْ، فَإِنْ عَادَ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ وَلْيَتُبْ، فَإِنَّما هي خَطَايَا مُطَوَّقَةٌ في أَعْنَاقِ الرِّجَالِ، وإِنَّ الهَلَاكَ كُلَّ الهَلَاكِ فِي الْإِصْرَارِ عَلَيْهَا.
ومَعْنَى هَذَا أَنَّ العَبْدَ لَا بُدَّ أَنْ يَفْعَلَ مَا قُدِّرَ عَلَيْهِ مِن الذُّنُوبِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظُّهُ مِنَ الزِّنَا، فَهُوَ مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ ) ). ولَكِنَّ اللَّهَ جَعَلَ للعَبْدِ مَخْرَجًا مِمَّا وَقَعَ فيه مِن الذُّنُوبِ، ومَحَاهُ بالتَّوْبَةِ والاسْتِغْفَارِ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ تَخَلَّصَ مِن شَرِّ الذَّنْبِ، وإِنْ أَصَرَّ عَلَى الذَّنْبِ هَلَكَ.
وفِي (( المُسْنَدِ ) )مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( ارْحَمُوا تُرْحَمُوا، وَاغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُم، وَيْلٌ لِأَقْمَاعِ القَوْلِ، وَيْلٌ لِلمُصِرِّينَ الَّذِينَ يُصِرُّونَ عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) )وفُسِّرَ أَقْمَاعُ القَوْلِ بِمَن كَانَتْ أُذُنَاهُ كالقِمْعِ لِمَا يَسْمَعُ مِن الحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ، فَإِذَا دَخَلَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ في أُذُنِهِ خَرَجَ مِن الأُخْرَى، ولَمْ يَنْتَفِعْ بشَيْءٍ مِمَّا سَمِعَ.
وقَوْلُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَتْبِعِ السَّيِّئَة الحَسَنَةَ ) )، قَدْ يُرَادُ بالحَسَنَةِ التَّوْبَةُ مِن تلك السَّيِّئَةِ، وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي حَدِيثٍ مُرْسَلٍ خَرَّجَهُ ابنُ أَبِي الدُّنْيَا مِن مَرَاسِيلِ مُحَمَّدِ بنِ جُبَيْرٍ , أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ قَالَ: (( يَا مُعَاذُ اتَّقِ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتَ، وَاعْمَلْ بِقُوَّتِكَ للَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا أَطَقْتَ، وَاذْكُرِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَ كُلِّ شَجَرَةٍ وَحَجَرٍ، وَإِنْ أَحْدَثْتَ ذَنْبًا، فَأَحْدِثْ عِنْدَهُ تَوْبَةً، إِنْ سِرًّا فَسِرٌّ وَإِنْ عَلَانِيَةً فَعَلَانِيَةٌ ) ). وخَرَّجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ بِمَعْنَاهُ مِن وَجْهٍ آخَرَ ضَعِيفٍ عَن مُعَاذٍ. وقَالَ قَتَادَةُ: قَالَ سَلْمَانُ: إِذَا أَسَأْتَ سَيِّئَةً في سَرِيرَةٍ، فأَحْسِنْ حَسَنَةً في سَرِيرَةٍ، وإِذَا أَسَأْتَ سَيِّئَةً فِي عَلَانِيَةٍ، فَأَحْسِنْ حَسَنَةً في عَلَانِيَةٍ، لكي تَكُونَ هذه بهذه. وهَذَا يَحْتمِلُ أَنَّه أَرَادَ بالحَسَنَةِ التَّوْبةَ أو أَعَمَّ منها.
وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ أَنَّ مَن تَابَ مِن ذَنْبِهِ؛ فَإِنَّه يُغْفَرُ لَهُ ذَنْبُهُ أو يُتَابُ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، كقَوْلِهِ تَعَالَى: {إنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} [النساء: 17] ، وقَوْلِهِ: {ثُمَّ إِنَّ ربَّكِ للَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل: 119] ، وقَوْلِهِ: {إلَّا مَنْ تَابَ وآمَنَ وَعمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَناتٍ} [الفرقان: 70] ، وقَوْلِهِ: {وَإِنِّي لَغَفَارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَن وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: 82] ، وقولِهِ: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا} [مريم:60] ، وقَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُم ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَروا لِذُنُوبِهِم ومَنْ يَغفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا اللَّهُ} [آل عمران: 135] الآيَتَيْنِ.