الصفحة 141 من 391

ورَوَى وَكِيعٌ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ، يَعْنِي ابنَ مَسْعُودٍ: وَدِدْتُ أَنَّي صُولِحْتُ عَلَى أَنْ أَعْمَلَ كُلَّ يَوْمٍ تِسْعَ خَطِيئَاتٍ وحَسَنَةً. وهَذَا إِشَارَةٌ مِنْهُ إِلَى أَنَّ الْحَسَنَةَ يُمْحَى بِهَا التِّسْعُ خَطِيئَاتٍ، ويَفْضُلُ لَهُ ضِعْفٌ واحِدٌ مِن ثَوَابِ الْحَسَنَةِ، فيَكْتَفِي بِهِ، واللَّهُ أَعْلَمُ.

وقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَسْأَلَتَيْنِ:

إِحْدَاهُمَا: هَلْ تُكفِّرُ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ الكَبَائِرَ والصَّغَائِرَ أَمْ لَا تُكَفِّرُ سِوَى الصَّغَائِرِ؟ فمِنْهُم مَن قَالَ: لَا تُكَفِّرُ سِوَى الصَّغَائِرِ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عن عَطَاءٍ وغَيْرِه مِن السَّلَفِ فِي الوُضُوءِ أَنَّه يُكَفِّرُ الصَّغَائِرَ، وقَالَ سَلْمَانُ الفَارِسِيُّ فِي الوُضُوءِ: إِنَّه يُكَفِّرُ الجِرَاحَاتِ الصِّغَارَ، والمَشْيُ إِلَى المَسَاجِدِ يُكَفِّرُ أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ، والصَّلَاةُ تُكَفِّرُ أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ. خَرَّجَهُ مُحَمَّدُ بنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ.

وأَمَّا الكَبَائِرُ، فَلَا بُدَّ لَهَا مِن التَّوْبَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ العِبَادَ بالتَّوْبَةِ، وجَعَلَ مَنْ لَمْ يَتُبْ ظَالِمًا، واتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ فَرْضٌ، والفَرَائِضُ لَا تُؤَدَّى إِلَّا بِنِيَّةٍ وقَصْدٍ، وَلَوْ كَانَتِ الكَبَائِرُ تَقَعُ مُكَفَّرَةً بالوُضُوءِ والصَّلَاةِ، وأَدَاءِ بَقِيَّةِ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، لَمْ يُحْتَجْ إِلَى التَّوْبَةِ، وهَذَا بَاطِلٌ بالْإِجْمَاعِ.

وأَيْضًا فَلَوْ كُفِّرَتِ الكَبَائِرُ بفِعْلِ الفَرَائِضِ، لَمْ يَبْقَ لِأَحَدٍ ذَنْبٌ يَدْخُلُ بِهِ النَّارَ إِذَا أَتَى بالفَرَائِضِ، وهَذَا يُشْبِهُ قَوْلَ المُرْجِئَةِ وهو بَاطِلٌ، هَذَا مَا ذَكَرَهُ ابنُ عَبْدِ البَرِّ في كِتَابِهِ (( التَمْهِيدِ ) )وحَكَى إِجْمَاعَ المُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بأَحَادِيثَ: مِنْهَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( الصَّلَواتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَينَهُنَّ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ ) )وهو مُخَرَّجٌ فِي (( الصَّحِيحَيْنِ ) )، مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الكَبَائِرَ لَا تُكَفِّرُهَا هَذِهِ الفَرَائِضُ.

وقَدْ حَكَى ابنُ عَطِيَّةَ فِي تَفْسِيرِه فِي مَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ قَوْلَيْنِ:

أَحَدُهُما - وحَكَاهُ عَنْ جُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ: أَنَّ اجْتِنَابَ الكَبَائِرِ شَرْطٌ لتَكْفِيرِ هَذِهِ الفَرَائِضِ للصَّغَائِرِ؛ فَإِنْ لَمْ تُجْتَنَبْ، لَمْ تُكَفِّرْ هَذِهِ الفَرَائِضُ شَيْئًا بالكُلِّيَّةِ.

والثَّانِي: أَنَّهَا تُكَفِّرُ الصَّغَائِرَ مُطْلَقًا، وَلَا تُكَفِّرُ الكَبَائِرَ وإِنْ وُجِدَتْ، لَكِنْ بشَرْطِ التَّوْبَةِ مِنَ الصَّغَائِرِ، وعَدَمِ الْإِصْرَارِ عَلَيْهَا، ورَجَّحَ هَذَا القَوْلَ، وحَكَاهُ عن الحُذَّاقِ.

وقَوْلُه: بشَرْطِ التَّوْبَةِ مِن الصَّغَائِرِ، وعَدَمِ الْإِصْرَارِ عَلَيْهَا، مُرَادُه أَنَّه إِذَا أَصَرَّ عَلَيْهَا، صَارَتَ كَبِيرَةً، فَلَمْ تُكَفِّرْهَا الْأَعْمَالُ. والقَوْلُ الْأَوَّلُ الذِي حَكَاهُ غَرِيبٌ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ حُكِيَ عن أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ العَزِيزِ بنِ جَعْفَرٍ مِن أَصْحَابِنَا مِثْلُه.

وفي (( صَحِيحِ مُسْلِمٍ ) )عن عُثْمَانَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ، فيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا إِلَّا كَانَتْ كَفَّارةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً، وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ ) ).

وفي (( مُسْنَدِ ) )الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ سَلْمَانَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَا يَتَطَهَّرُ الرَّجُلُ -يَعْنِي: يَوْمَ الْجُمُعَةِ- فَيُحْسِنُ طُهُورَهُ، ثُمَّ يَأْتِي الْجُمُعَةَ فَيُنْصِتُ حَتَّى يَقْضِيَ الْإِمَامُ صَلَاتَهُ، إِلَّا كَانَ كَفَّارَةَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ مَا اجْتُنِبَتْ الْمَقْتَلَةُ ) ).

وخَرَّجَ النَّسَائِيُّ، وابنُ حِبَّانَ، والحَاكِمُ مِن حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وأَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْ عَبْدٍ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَيَصُومُ رَمَضَانَ، ويُخْرِجُ الزَّكَاةَ، وَيَجْتَنِبُ الكَبَائِرَ السَّبْعَ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت