الصفحة 144 من 391

وَاثِلَةَ بنِ الْأَسْقَعِ أنَّهُم جَاؤُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في صَاحِبٍ لَهُم قَدْ أَوْجَبَ، فَقَالَ: (( أَعْتِقُوا عَنْهُ رَقَبَةً يُعْتِقْهُ اللَّهُ بِهَا مِنَ النَّارِ ) ). ومَعْنَى أَوْجَبَ: عَمِلَ عَمَلًا يَجِبُ لَهُ بِهِ النَّارُ، ويُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ قَتَلَ قَتِيلًا. وفِي (( صَحِيحِ مُسْلِمٍ ) )عَن ابنِ عُمَرَ أَنَّه ضَرَبَ عَبْدًا لَهُ، فأَعْتَقَهُ وقَالَ: لَيْسَ لِي فِيهِ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ هَذَا - وأَخَذَ عُودًا مِن الْأَرْضِ - إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( مَنْ لَطَمَ مَمْلُوكَهُ، أَوْ ضَرَبَهُ، فَإِنَّ كَفَّارَتَهُ أَنْ يُعْتِقَهُ ) ).

فإِنْ قِيلَ: فالمُجَامِعُ فِي رَمَضَانَ يُؤْمَرُ بالكَفَّارَةِ، والفِطْرُ فِي رَمَضَانَ مِنَ الكَبَائِرِ، قِيلَ: لَيْسَتِ الكَفَّارَةُ للفِطْرِ، ولِهَذَا لَا تَجِبُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ عَلَى كُلِّ مُفْطِرٍ فِي رَمَضَانَ عَمْدًا، وإنَّما هي لِهَتْكِ حُرْمَةِ نَهَارِ رَمَضَانَ بالجِمَاعِ، ولِهَذَا لَوْ كَانَ مُفْطِرًا فِطْرًا لَا يَجُوزُ لَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، ثُمَّ جَامَعَ، لَلَزِمَتْهُ الكَفَّارَةُ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ لِمَا ذَكَرْنَا.

ومِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَكْفِيرَ الوَاجِبَاتِ مُخْتَصٌّ بالصَّغَائِرِ مَا خَرَّجَه البُخَارِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: بَيْنا نَحْنُ جُلُوسٌ عِندَ عُمَرَ، إِذْ قَالَ: أَيُّكُم يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْفِتْنَةِ؟ قَالَ: قُلْتُ: (( فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ يُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْأَمْرُ بالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ ) )قَالَ: لَيْسَ عَنْ هَذَا أَسْأَلُكَ. وخَرَّجَه مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ، وظَاهِرُ هَذَا السِّيَاقِ يَقْتَضِي رَفْعَه، وفِي رِوَايَةٍ للبُخَارِيِّ أَنَّ حُذَيْفَةَ قَالَ: سَمِعْتُه يَقُولُ: (( فِتْنَةُ الرَّجُلِ ) )فذَكَرَه، وهَذَا كالصَّرِيحِ فِي رَفْعِهِ، وفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَنَّ هَذَا مِن كَلَامِ عُمَرَ.

وأَمَّا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للَّذِي قَالَ لَهُ: أَصَبْتُ حَدًّا، فأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَتَرَكَهُ حَتَّى صَلَّى، ثُمَّ قَالَ لَهُ: (( إِنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَكَ حَدَّكَ ) )، فَلَيْسَ صَرِيحًا في أَنَّ المُرَادَ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الكَبَائِرِ؛ لِأَنَّ حُدُودَ اللَّهِ تَعَالَى مَحَارِمُهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ومَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق:1] ، وقَوْلِه: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا} [البقرة: 229] ، وقَوْلِه: {تِلْكَ حُدودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَه يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ} الآيةَ إِلَى قَوْلِه: {ومَنْ يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} [النساء: 13 - 14] .

وفِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ بنِ سِمْعَانَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ضَرْبِ مَثَلِ الْإِسْلَامِ بالصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ الذِي عَلَى جَنَبَتَيْهِ سُورَانِ، قَالَ: (( والسُّورَانِ حُدُودُ اللَّهِ ) ). وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُه بتَمَامِهِ.

فَكُلُّ مَن أَصَابَ شَيْئًا مِن مَحَارِمِ اللَّهِ، فَقَدْ أَصَابَ حُدُودَه، ورَكِبَهَا، وتَعَدَّاهَا. وعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْحَدُّ الذِي أَصَابَهُ كَبِيرَةً، فَهَذَا الرَّجُلُ جَاءَ نَادِمًا تَائِبًا، وأَسْلَمَ نَفْسَهُ إِلَى إِقَامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِ، والنَّدَمُ تَوْبَةٌ، والتَّوْبَةُ تُكَفِّرُ الكَبَائِرَ بغَيْرِ تَرَدُّدٍ، وَقَدْ رُوِيَ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الكَبَائِرَ تُكَفَّرُ ببَعْضِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فخَرَّجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ ذَنْبًا عَظِيمًا، فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبةٍ؟ قَالَ: (( هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ؟ ) )قَالَ: لَا، قَالَ: (( فَهَلْ لَكَ مِنْ خَالَةٍ؟ ) )قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: (( فبِرَّهَا ) )، وخَرَّجَهُ ابنُ حِبَّانَ فِي (( صَحِيحِهِ ) )والحَاكِمُ، وقَالَ: علَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، لكِنْ خَرَّجَه التِّرْمِذِيُّ مِن وَجْهٍ آخَرَ مُرْسَلًا، وذَكَرَ أَنَّ المُرْسَلَ أَصَحُّ مِن المَوْصُولِ، وكَذَا قَالَ عَلِيُّ بنُ المَدِينِيِّ والدَّارَقُطْنِيُّ.

ورُوِيَ عَن عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: قَتَلْتُ نَفْسًا، قَالَ: أُمُّكَ حَيَّةٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فأَبُوكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَبِرَّهُ وأَحْسِنْ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: لَوْ كَانَتْ أُمُّه حَيَّةً فبَرَّهَا، وأَحْسَنَ إِلَيْهَا، رَجَوْتُ أَنَ لَا تَطْعَمَهُ النَّارُ أَبَدًا. وعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ أَيْضًا.

وكَذَلِكَ المَرْأَةُ الَّتِي عَمِلَتْ بالسِّحْرِ بدَوْمَةِ الجَنْدَلِ، وقَدِمَتِ المَدِينَةَ تَسْأَلُ عَنْ تَوْبَتِهَا، فوَجَدَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ تُوُفِّيَ، فَقَالَ لَهَا أَصْحَابُه: لَوْ كَانَ أَبَوَاكِ حَيَّيْنِ أو أَحَدُهُمَا كَانَا يَكْفِيَانِكِ. خَرَّجَه الحَاكِمُ وقَالَ: فِيهِ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ حِدْثَانَ وَفَاةِ الرَّسْولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ بِرَّ الْأَبَوَيْنِ يَكْفِيَانِهَا. وقَالَ مَكْحُولٌ والْإِمَامُ أَحْمَدُ: بِرُّ الوَالِدَيْنِ كَفَّارَةٌ للكَبَائِرِ. ورُوِيَ عن بَعْضِ السَّلَفِ في حَمْلِ الجَنَائِزِ أَنَّه يَحُطُّ الكَبَائِرَ، ورُوِيَ مَرْفُوعًا مِن وُجُوهٍ لَا تَصِحُّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت