الصفحة 145 من 391

وقَدْ صَحَّ مِن رِوَايَةِ أَبِي بُرْدَةَ أَنَّ أَبَا مُوسَى لَمَّا حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ قَالَ: يَا بَنِيَّ، اذْكُرُوا صَاحِبَ الرَّغِيفِ: كَانَ رَجُلٌ يَتَعَبَّدُ فِي صَوْمَعَةٍ أُرَاهُ سَبْعِينَ سَنَةً، فَشَبَّهَ الشَّيْطَانُ فِي عَيْنِهِ امْرَأَةً، فكَانَ مَعَهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ وسَبْعَ لَيَالٍ، ثُمَّ كُشِفَ عَنِ الرَّجُلِ غِطَاؤُهُ، فَخَرَجَ تَائِبًا، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّه بَاتَ بَيْنَ مَسَاكِينَ، فتَصَدَّقَ عَلَيْهِم برَغِيفٍ رَغِيفٍ، فأَعْطَوْه رَغِيفًا، ففَقَدَهُ صَاحِبُه الذِي كَانَ يُعْطَاهُ، فَلَمَّا عَلِمَ بذَلِكَ، أَعْطَاهُ الرَّغِيفَ وأَصْبَحَ مَيِّتًا، فوُزِنَتِ السَّبْعُونَ سَنَةً بالسَّبْعِ لَيَالٍ، فرَجَحَتِ اللَّيَالِي، ووُزِنَ الرَّغِيفُ بالسَّبْعِ اللَّيَالِي، فرَجَحَ الرَّغِيفُ.

ورَوَى ابنُ المُبَارَكِ بإِسْنَادِهِ فِي كِتَابِ (( البِرِّ والصِّلَةِ ) )عَنِ ابنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: عَبَدَ اللَّهَ رَجَلٌ سَبْعِينَ سَنَةً ثُمَّ أَصَابَ فَاحِشَةً، فأَحْبَطَ اللَّهُ عَمَلَه، ثُمَّ أَصَابَتْهُ زَمَانَةٌ وأُقْعِدَ، فرَأَى رَجُلًا يَتَصَدَّقُ عَلَى مَسَاكِينَ، فَجَاءَ إِلَيْهِ فأَخَذَ مِنْهُ رَغِيفًا، فتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ، ورَدَّ عَلَيْهِ عَمَلَ سَبْعِينَ سَنَةً.

وهَذِهِ كُلُّها لَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى تَكْفِيرِ الكَبَائِرِ بِمُجَرَّدِ العَمَلِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَن ذُكِرَ فِيهَا كَانَ نَادِمًا تَائِبًا مِن ذَنْبِهِ، وإِنَّمَا كَانَ سُؤَالُه عَن عَمَلٍ صَالِحٍ يَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ حَتَّى يَمْحُوَ بِهِ أثَرَ الذَّنْبِ بالكُلِّيَّةِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ شَرَطَ فِي قَبُولِ التَّوْبَةِ ومَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ بِهَا العَمَلَ الصَّالِحَ، كقَوْلِهِ: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} [مريم:60] ، وقَوْلِهِ: {وَإنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} [طه:82] ، وقَوْلِهِ: {فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ} [القصص:67] ، وَفِي هَذَا مُتَعَلَّقٌ لِمَن يَقُولُ: إِنَّ التَّائِبَ بَعْدَ التَّوْبَةِ فِي المَشِيئَةِ، وكَانَ هَذَا حَالَ كَثِيرٍ مِن الخَائِفِينَ مِنَ السَّلَفِ. وَقَالَ بَعْضُهُم لرَجُلٍ: هَلْ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَعَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ كَتَبَهُ عَلَيْكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاعْمَلْ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ مَحَاهُ. ومِنْهُ قَوْلُ ابنِ مَسْعُودٍ: إِنَّ المُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ فِي أَصْلِ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وإِنَّ الفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَه كذُبَابٍ طَارَ عَلَى أَنْفِهِ، فَقَالَ بِهِ هَكَذَا. خَرَّجَهُ البُخَارِيُّ.

وكَانُوا يَتَّهِمُونَ أَعْمَالَهُم وتَوْبَاتِهِم، ويَخَافُونَ أَنْ لَا يَكُونَ قَدْ قُبِلَ مِنْهُم ذَلِكَ، فكَانَ ذَلِكَ يُوجِبُ لَهُم شِدَّةَ الخَوْفِ، وكَثْرَةَ الْاجْتِهَادِ فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. قَالَ الحَسَنُ: أَدْرَكْتُ أَقْوَامًا لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُهُم مِلْءَ الْأَرْضِ مَا أَمِنَ لِعِظَمِ الذَّنْبِ فِي نَفْسِهِ. وقَالَ ابنُ عَوْنٍ: لَا تَثِقْ بكَثْرَةِ العَمَلِ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيُقْبَلُ مِنْكَ أَمْ لَا، وَلَا تَأْمَنْ ذُنُوبَكَ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي كُفِّرَتْ عَنْكَ أَمْ لَا، إِنَّ عَمَلَكَ مُغَيَّبٌ عَنْكَ كُلُّهُ.

والْأَظْهَرُ -واللَّهُ أَعْلَمُ - في هَذِهِ المَسْأَلَةِ -أَعْنِي مَسْأَلَةَ تَكْفِيرِ الكَبَائِرِ بالْأَعْمَالِ - أَنَّه إِنْ أُرِيدَ أَنَّ الكَبَائِرَ تُمْحَى بِمُجَرَّدِ الْإِتْيَانِ بالفَرَائِضِ، وتَقَعُ الكَبَائِرُ مُكَفَّرَةً بذَلِكَ كَمَا تُكَفَّرُ الصَّغَائِرُ باجْتِنَابِ الكَبَائِرِ، فهَذَا بَاطِلٌ. وإِنْ أُرِيدَ أَنَّه قَدْ يُوَازَنُ يَوْمَ القِيَامَةِ بَيْنَ الكَبَائِرِ وبَيْنَ بَعْضِ الْأَعْمَالِ، فتُمْحَى الكَبِيرَةُ بِمَا يُقَابِلُهَا مِن العَمَلِ، ويَسْقُطُ العَمَلُ، فَلَا يَبْقَى لَهُ ثَوَابٌ، فَهَذَا قَدْ يَقَعُ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ ابنِ عُمَرَ أَنَّه لَمَّا أَعْتَقَ مَمْلُوكَه الذِي ضَرَبَهُ، قَالَ: لَيْسَ لِي فِيهِ مِنَ الْأَجْرِ شَيْءٌ، حَيْثُ كَانَ كَفَّارَةً لذَنْبِهِ، ولَمْ يَكُنْ ذَنْبُهُ مِنَ الكَبَائِرِ، فكَيْفَ بِمَا كَانَ مِن الْأَعْمَالِ مُكَفِّرًا للكَبَائِرِ؟

وسَبَقَ أَيْضًا قولُ مَنْ قالَ مِنَ السَّلَفِ: إِنَّ السَّيِّئَةَ تُمْحَى، ويَسْقُطُ نَظِيرَهَا حَسَنَةٌ مِن الحَسَنَاتِ الَّتِي هي ثَوَابُ العَمَلِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا في الصَّغَائِرِ، فَكَيْفَ بالكَبَائِرِ؟ فَإِنَّ بَعْضَ الكَبَائِرِ قَدْ يُحْبِطُ بَعْضَ الْأَعْمَالِ المُنَافِيَةِ لَهَا، كَمَا يُبْطِلُ الْمَنُّ والْأَذَى الصَّدَقَةَ، وتُبْطِلُ المُعَامَلَةُ بالرِّبَا الجِهَادَ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ. وقَالَ حُذَيْفَةُ: قَذْفُ المُحْصَنَةِ يَهْدِمُ عَمَلَ مِائَةِ سَنَةٍ، ورُوِيَ عَنْهُ مَرْفُوعًا خرَّجه البَزَّارُ، وكَمَا يُبْطِلُ تَرْكُ صَلَاةِ العَصْرِ العَمَلَ، فَلَا يُسْتَنْكَرُ أَنْ يُبْطَلَ ثَوَابُ العَمَلِ الَّذِي يُكَفِّرُ الكَبَائِرَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت