الصفحة 146 من 391

وَقَدْ خرَّجَ البَزَّارُ في (( مُسْنَدِه ) )والحَاكِمُ مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (( يُؤْتَى بِحَسَناتِ العَبْدِ وَسَيِّئَاتِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُقَصُّ أَوْ يُقْضَى بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ، فَإِنْ بَقِيَتْ لَهُ حَسَنَةٌ، وُسِّعَ لَهُ بِهَا فِي الجَنَّةِ ) ).

وخَرَّجَ ابنُ أَبِي حَاتِمٍ مِن حَدِيثِ ابنِ لَهِيعَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة: 7] ، قَالَ: كَانَ المُسْلِمُونَ يَرَوْنَ أنَّهُم لَا يُؤْجَرُونَ عَلَى الشَّيْءِ القَلِيلِ إِذَا أَعْطَوْهُ، فيَجِيءُ المِسْكِينُ، فيَسْتَقِلُّونَ أَنْ يُعْطُوهُ تَمْرَةً وكِسْرَةً وجَوْزَةً ونَحْوَ ذَلِكَ، فَيَرُدُّونَه، ويَقُولُونَ: مَا هَذَا بشَيْءٍ، إِنَّمَا نُؤْجَرُ عَلَى مَا نُعْطِي ونَحْنُ نُحِبُّه، وَكَانَ آخَرُونَ يَرَوْنَ أنَّهم لَا يُلَامُونَ عَلَى الذَّنْبِ اليَسِيرِ مِثْلَ الكَذْبَةِ والنَّظْرَةِ والغِيبَةِ وأَشْبَاهِ ذَلِكَ، يَقُولُونَ: إِنَّمَا وَعَدَ اللَّهُ النَّارَ عَلَى الكَبَائِرِ، فرَغَّبَهُم اللَّهُ فِي القَلِيلِ مِن الخَيْرِ أَنْ يَعْمَلُوهُ، فإنَّه يُوشِكُ أن يَكْثُرَ، وحَذَّرَهُم اليَسِيرَ مِن الشَّرِّ، فإنَّه يُوشِكُ أن يَكْثُرَ، فَنَزَلَتْ: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} ، يَعْنِي: وَزْنَ أَصْغَرِ النَّمْلِ {خَيْرًا يَرَهُ} يَعْنِي: فِي كِتَابِهِ، ويَسُرُّهُ ذَلِكَ قَالَ: يُكْتَبُ لكُلِّ بَرٍّ وفَاجِرٍ بكُلِّ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ وَاحِدَةٌ، وبِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ، ضَاعَفَ اللَّهُ حَسَنَاتِ المُؤْمِنِ أَيْضًا بِكُلِّ وَاحِدَةٍ عَشْرًا فيَمْحُو عَنْهُ بكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ، فمَن زَادَتْ حَسَنَاتُه علَى سَيِّئَاتِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، دَخَلَ الْجَنَّةَ.

وظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ تَقَعُ المُقَاصَّةُ بَيْنَ الحَسَنَاتِ والسَّيِّئَاتِ، ثُمَّ تَسْقُطُ الحَسَنَاتُ المُقَابِلَةُ للسَّيِّئَاتِ، ويُنْظَرُ إِلَى مَا يَفْضُلُ مِنْهَا بَعْدَ المُقَاصَّةِ، وهَذَا يُوافِقُ قَوْلَ مَنْ قَالَ بأَنَّ مَن رَجَحَتْ حَسَنَاتُه عَلَى سَيِّئَاتِهِ بِحَسَنَةٍ وَاحِدَةٍ أُثِيبَ بتِلْكَ الحَسَنَةِ خَاصَّةً، وسَقَطَ باقِي حَسَنَاتِهِ فِي مُقَابَلَةِ سَيِّئَاتِهِ، خِلَافًا لِمَن قَالَ: يُثَابُ بالجَمِيعِ، وتَسْقُطُ سَيِّئَاتُه كَأَنَّها لَمْ تَكُنْ، وهَذَا فِي الكَبَائِرِ، أَمَّا الصَّغَائِرُ؛ فَإِنَّه قَدْ يُمْحَى بالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مَعَ بَقَاءِ ثَوَابِهَا، كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ: إِسْبَاغُ الوُضُوءِ عَلَى المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الخُطَا إِلَى المَسَاجِدِ، وَانْتِظارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ ) )فأَثْبَتَ لِهَذِهِ الْأَعْمَالِ تَكْفِيرَ الخَطَايَا ورَفْعَ الدَّرَجَاتِ، وكَذَلِكَ قَوْلُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ مِائَةَ مَرَّةٍ، كُتِبَ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ ) )، فهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الذِّكْرَ يَمْحُو السَّيِّئَاتِ، ويَبْقَى ثَوَابُه لِعَامِلِه مُضَاعَفًا.

وكَذَلِكَ سَيِّئَاتُ التَّائِبِ تَوْبَةً نَصُوحًا تُكَفَّرُ عنه، وتَبْقَى لَهُ حَسَنَاتُه، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ. أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ} [الأحقاف: 15 - 16] .

وقَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ. لَهُمْ مَا يَشَاؤُونَ عِنْدَ رَبِّهِم ذَلِكَ جَزَاءُ المُحْسِنِينَ. لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُم أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُم أَجْرَهُم بأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلونَ} [الزمر:33 - 35] ، فَلَمَّا وَصَفَ هؤلاء بالتَّقْوَى والْإِحْسَانِ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُم لَيْسُوا بِمُصِرِّينَ عَلَى الذُّنُوبِ، بَلْ هُمْ تَائِبُونَ مِنْهَا.

وقَوْلُه: {لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُم أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا} يَدْخُلُ فِيهِ الكَبَائِرُ؛ لِأَنَّهَا أَسْوَأُ الْأَعْمَالِ، وَقَالَ: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا} [الطلاق:5] ، فَرَتَّبَ عَلَى التَّقْوَى المُتَضَمِّنَةِ لفِعْلِ الوَاجِبَاتِ وتَرْكِ المُحَرَّمَاتِ تَكْفِيرَ السَّيِّئَاتِ وتَعْظِيمَ الْأَجْرِ، وأَخْبَرَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ المُتَفَكِّرِينَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ والْأَرْضِ أَنَّهُم قَالُوا: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنَا وتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ} [آل عمران: 193] ، فأَخْبَرَ أَنَّه اسْتَجَابَ لَهُم ذَلِكَ، وَأَنَّه كَفَّرَ عَنْهُم سَيِّئَاتِهِم، وأَدْخَلَهُم الجَنَّاتِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت