الصفحة 149 من 391

وقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بالتَّوْبَةِ عَقِيبَ ذِكْرِ الصَّغَائِرِ والكَبَائِرِ، فَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ لِلمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُم ذَلِكَ أَزْكَى لَهُم إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعونَ. وَقُلْ لِلمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} إلَى قَوْلِهِ: {وتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ} [النور: 30 - 31] .

وأَمَرَ بالتَّوْبَةِ مِنَ الصَّغَائِرِ بِخُصُوصِهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الْاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرَات: 11] .

ومِنَ النَّاسِ مَن لَمْ يُوجِبِ التَّوْبَةَ منها، وحُكِيَ عَنْ طَائِفَةٍ مِن المُعْتَزِلَةِ ومِن المُتَأَخِّرِينَ مَن قَالَ: يَجِبُ أَحَدُ أَمْرَيْنِ؛ إِمَّا التَّوْبَةُ مِنْهَا، أو الْإِتْيَانُ ببَعْضِ المُكَفِّرَاتِ للذُّنُوبِ مِن الحَسَنَاتِ.

وحَكَى ابنُ عَطِيَّةَ فِي (( تَفسيرِهِ ) )فِي تَكْفِيرِ الصَّغَائِرِ بامْتِثَالِ الفَرَائِضِ واجْتِنَابِ الكَبَائِرِ قَوْلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا -وحَكَاهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِن الفُقَهَاءِ وأَهْلِ الحَدِيثِ: أَنَّه يُقْطَعُ بتَكْفِيرِهَا بذَلِكَ قَطْعًا، لظَاهِرِ الآيَةِ والحَدِيثِ.

والثَّانِي -وحَكَاهُ عَن الأُصُولِيِّينَ: أَنَّه لَا يُقْطَعُ بذَلِكَ، بَلْ يُحْمَلُ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ وقُوَّةِ الرَّجَاءِ، وهو فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، إِذْ لَوْ قُطِعَ بتَكْفِيرِهَا، لكَانَتِ الصَّغَائِرُ فِي حُكْمِ المُبَاحِ الذِي لَا تَبِعَةَ فِيهِ، وذَلِكَ نَقْضٌ لِعُرَى الشَّرِيعَةِ.

قُلْتُ: قَدْ يُقَالُ: لَا يُقْطَعُ بتَكْفِيرِهَا؛ لِأَنَّ أَحَادِيثَ التَّكْفِيرِ المُطْلَقَةَ بالْأَعْمَالِ جَاءَتْ مُقَيَّدَةً بتَحْسِينِ العَمَلِ، كَمَا وَرَدَ ذَلِكَ فِي الوُضُوءِ والصَّلَاةِ، وحِينَئذٍ فَلَا يَتَحَقَّقُ وجُودُ حُسْنِ العَمَلِ الَّذِي يُوجِبُ التَّكْفِيرَ، وعَلَى هَذَا الْاخْتِلَافِ الذي ذَكَرَه ابنُ عَطِيَّةَ يَنْبَنِي الْاخْتِلَافُ فِي وُجُوبِ التَّوْبَةِ مِن الصَّغَائِرِ.

وَقَدْ خَرَّجَ ابنُ جَرِيرٍ مِن رِوَايَةِ الحَسَنِ أَنَّ قَوْمًا أَتَوْا عُمَرَ، فَقَالُوا: نَرَى أَشْيَاءَ مِن كِتَابِ اللَّهِ لَا يُعْمَلُ بِهَا، فَقَالَ لرَجُلٍ مِنْهُم: أَقَرَأْتَ القُرْآنَ كُلَّه؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَهَلْ أَحْصَيْتَهُ فِي نَفْسِكَ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا، قَالَ: فَهَلْ أَحْصَيْتَه فِي بَصَرِكَ؟ فَهَلْ أَحْصَيْتَهُ فِي لَفْظِكَ؟ هَلْ أَحْصَيْتَهُ فِي أَثَرِكَ؟ ثُمَّ تَتَبَّعَهُم حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهِم، ثُمَّ قَالَ: ثكِلَتْ عُمَرَ أُمُّه، أَتُكَلِّفُونَهُ أَنْ يُقِيمَ عَلَى النَّاسِ كِتَابَ اللَّهِ؟ قَدْ عَلِمَ رَبُّنَا أَنَّه سَيَكُونُ لَنَا سَيِّئَاتٌ، قَالَ: وَتَلَا: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء: 31] .

وبإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ أَنَّه قَالَ: لَمْ أَرَ مِثْلَ الَّذِي بلَغَنَا عَنْ رَبِّنَا تَعَالَى، ثُمَّ لَمْ نَخْرُجْ لَهُ عن كلِّ أَهْلٍ ومَالٍ، ثُمَّ سَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: واللَّهِ لَقَدْ كَلَّفَنَا رَبُّنَا أَهْوَنَ مِن ذَلِكَ، لَقَدْ تَجَاوَزَ لَنَا عَمَّا دُونَ الكَبَائِرِ، فَمَا لَنَا ولَهَا، ثُمَّ تَلَا: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} . وخَرَّجَه البَزَّارُ فِي (( مُسْنَدِهِ ) )مَرْفُوعًا، والمَوْقُوفُ أَصَحُّ.

وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ المُحْسِنِينَ باجْتِنَابِ الكَبَائِرِ قَالَ تَعَالَى: {وَيَجْزِي الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} [النجم:32] .

وفِي تَفْسِيرِ اللَّمَمِ قَوْلَانِ للسَّلَفِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّه مُقَدِّمَاتُ الفَوَاحِشِ كاللَّمْسِ والقُبْلَةِ. وعنِ ابنِ عَبَّاسٍ: هو مَا دُونَ الْحَدِّ مِن وَعِيدِ الْآخِرَةِ بالنَّارِ وَحَدِّ الدُّنيا.

والثَّانِي: أَنَّه الْإِلْمَامُ بشَيْءٍ مِن الفَوَاحِشِ والكَبَائِرِ مرَّةً واحِدَةً، ثُمَّ يَتُوبُ منه، ورُوِيَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ وأَبِي هُرَيْرَةَ، ورُوِيَ عَنْهُ مَرْفُوعًا بالشَّكِّ فِي رَفْعِهِ، قَالَ: اللَّمَّةُ مِن الزِّنَا ثُمَّ يَتُوبُ فَلَا يَعُودُ، واللَّمَّةُ مِن شُرْبِ الخَمْرِ ثُمَّ يَتُوبُ فَلَا يَعُودُ، واللَّمَّةُ مِن السَّرِقَةِ ثُمَّ يَتُوبُ فَلَا يَعُودُ.

ومَن فَسَّرَ الْآيَةَ بِهَذَا قَالَ: لَا بُدَّ أَنْ يَتُوبَ مِنْهُ بِخِلَافِ مَنْ فسَّرَهُ بالمُقَدِّمَاتِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ تَوْبَةً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت