فهرس الكتاب
والظَّاهِرُ أَنَّ القَوْلَيْنِ صَحِيحَانِ، وأَنَّ كِلَيْهِمَا مُرَادٌ مِن الْآيَةِ، وحِينَئذٍ فالمُحْسِنُ: هو مَن لَا يَأْتِي بكَبِيرَةٍ إِلَّا نَادِرًا ثُمَّ يَتُوبُ مِنْهَا، ومَن إِذَا أَتَى بصَغِيرَةٍ كَانَتْ مَغْمُورَةً فِي حَسَنَاتِهِ المُكَفِّرَةِ لَهَا، وَلَا بُدَّ أَنْ لَا يَكُونَ مُصِرًّا عَلَيْهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {ولَمْ يُصِرُّوا عَلَى ما فَعَلُوا وهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135] . ورُوِيَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّه قَالَ: لَا صَغِيرَةَ مَعَ الْإِصْرَارِ، وَلَا كَبِيرَةَ مَعَ الْاسْتِغْفَارِ، ورُوِيَ مَرْفُوعًا مِن وُجُوهٍ ضَعِيفَةٍ.
وإِذَا صَارَتِ الصَّغَائِرُ كَبَائِرَ بالمُدَاوَمَةِ عَلَيْهَا، فَلَا بُدَّ للمُحْسِنِينَ مِن اجْتِنَابِ المُدَاوَمَةِ عَلَى الصَّغَائِرِ حَتَّى يَكُونُوا مُجْتَنِبِينَ لكَبَائِرِ الْإِثْمِ والفَوَاحِشِ، وقَالَ اللَّهُ عَزَّ وجلَّ: {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ. وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم ومِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ. وَالَّذِينَ إِذَا أصَابَهُمُ البَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ. وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [الشورى: 36 - 40] .
فهَذِهِ الْآيَاتُ تَضَمَّنَتْ وَصْفَ المُؤْمِنِينَ بقِيَامِهِم بِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِنَ الْإِيمَانِ والتَّوَكُّلِ، وإِقَامِ الصَّلَاةِ، والْإِنْفَاقِ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ، والْاسْتِجَابَةِ للَّهِ فِي جَمِيعِ طَاعَاتِهِ، وَمَعَ هَذَا، فَهُم مُجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ والفَوَاحِشَ، فَهَذَا هو تَحْقِيقُ التَّقْوَى، ووَصَفَهُم فِي مُعَامَلَتِهِم للخَلْقِ بالمَغْفِرَةِ عِنْدَ الغَضَبِ، ونَدَبَهُم إِلَى العَفْوِ والْإِصْلَاحِ. وأمَّا قَوْلُه: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ البَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} فَلَيْسَ مُنَافِيًا للعَفْوِ؛ فَإِنَّ الانْتِصَارَ يَكُونُ بإِظْهَارِ القُدْرَةِ عَلَى الانْتِقَامِ، ثُمَّ يَقَعُ العَفْوُ بَعْدَ ذَلِكَ، فيَكُونُ أَتَمَّ وأَكْمَلَ. قَالَ النَّخَعِيُّ فِي هَذِهِ الآيَةِ: كَانُوا يَكُرَهُونَ أَنْ يُسْتَذَلُّوا، فَإِذَا قَدَرُوا عَفَوا. وقَالَ مُجَاهِدٌ: كَانُوا يَكْرَهُونَ للمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ، فيَجْتَرِئَ عَلَيْهِ الفُسَّاقُ، فَالْمُؤْمِنُ إِذَا بُغِيَ عَلَيْهِ، يُظْهِرُ القُدْرَةَ عَلَى الانْتِقَامِ، ثُمَّ يَعْفُو بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ جَرَى مِثْلُ هَذَا لكَثِيرٍ مِن السَّلَفِ، مِنْهُم قَتَادَةُ وغَيْرُه. فهَذِهِ الْآيَاتُ تَتَضَمَّنُ جَمِيعَ مَا ذَكَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَصِيَّتِهِ لِمُعَاذٍ، فَإِنَّها تَضَمَّنَتْ أُصُولَ خِصَالِ التَّقْوَى بفِعْلِ الوَاجِبَاتِ، والْانْتِهَاءِ عَنْ كَبَائِرِ المُحَرَّمَاتِ ومُعَامَلَةِ الْخَلْقِ بالْإِحْسَانِ والعَفْوِ، ولَازِمُ هَذَا أَنَّهُم إِنْ وَقَعَ مِنْهُم شَيْءٌ مِن الْإِثْمِ مِن غَيْرِ الكَبَائِرِ والفَوَاحِشِ، يَكُونُ مَغْمُورًا بِخِصَالِ التَّقْوَى المُقْتَضِيَةِ لتَكْفِيرِهَا ومَحْوِهَا.
وأَمَّا الآياتُ الَّتِي فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، فوَصَفَ فِيهَا المُتَّقِينَ بالْإِحْسَانِ إِلَى الْخَلْقِ، وبالْاسْتِغْفَارِ مِن الفَوَاحِشِ وظُلْمِ النَّفْسِ، وعَدَمِ الْإِصْرَارِ علَى ذَلِكَ، وهَذَا هو الْأَكْمَلُ، وهو إِحْدَاثُ التَّوْبَةِ، والْاسْتِغْفَارُ عَقِيبَ كُلِّ ذَنْبٍ مِنَ الذُّنُوبِ صَغِيرًا كَانَ أو كَبِيرًا، كَمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَّى بذَلِكَ مُعَاذًا، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا سَبَقَ.
وإِنَّمَا بسَطْنَا القَوْلَ في هَذَا؛ لِأَنَّ حَاجَةَ الْخَلْقِ إِلَيْهِ شَدِيدَةٌ، وكُلُّ أَحَدٍ يَحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَةِ هَذَا، ثُمَّ إِلَى العَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ، واللَّهُ المُوَفِّقُ والمُعِينُ.
وقَوْلُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَتْبِعِ السَّيِّئةَ الحَسَنَةَ تَمْحُها ) ). ظَاهِرُه أَنَّ السَّيِّئَاتِ تُمْحَى بالحَسَنَاتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْآثَارِ التِي فِيهَا أَنَّ السَّيِّئَةَ تُمْحَى مِن صُحُفِ المَلَائِكَةِ بالحَسَنَةِ إِذَا عُمِلَتْ بَعْدَهَا. قَالَ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: بَلَغَنِي أنَّه مَن بَكَى عَلَى خَطِيئَةٍ مُحِيَتْ عَنْهُ، وكُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ. وعَن عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو قَالَ: مَن ذَكَرَ خَطِيئَةً عَمِلَهَا، فَوَجِلَ قَلْبُه منها، فاسْتَغْفَرَ اللَّهَ عزَّ وَجَلَّ لَمْ يَحْبِسْهَا شَيْءٌ حَتَّى يَمْحُوَهَا عنه الرَّحْمَنُ.
وقَالَ بِشْرُ بنُ الحَارِثِ: بَلَغَنِي عَنِ الفُضَيْلِ بنِ عِيَاضٍ قَالَ: بُكَاءُ النَّهَارِ يَمْحُو ذُنُوبَ العَلَانِيَةِ، وبُكَاءُ اللَّيْلِ يَمْحُو ذُنُوبَ السِّرِّ. وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَلَّا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الخَطَايا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ ) )الحَدِيثَ.
وقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا تُمْحَى الذُّنُوبُ مِن صَحَائِفِ الْأَعْمَالِ بتَوْبَةٍ وَلَا غَيْرِهَا، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يُوقَفَ عَلَيْهَا صَاحِبُها ويَقْرَأَهَا يَوْمَ القِيَامَةِ، واسْتَدَلُّوا بقَوْلِهِ تَعَالَى: وَوُضِعَ الكِتَابُ فَتَرَى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً