فهرس الكتاب
وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا [الكهف:49] ، وَفِي الاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الْآيَةِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّه إنَّما ذُكِرَ فِيهَا حَالُ المُجْرِمِينَ، وَهُم أَهْلُ الجَرَائِمِ والذُّنُوبِ العَظِيمَةِ، فَلَا يَدْخُلُ فِيهِم المُؤْمِنُونَ التَّائِبُونَ مِن ذُنُوبِهِم، أو المَغْمُورَةُ ذُنُوبُهُم بِحَسَنَاتِهِم. وأَظْهَرُ مِن هَذَا الاسْتِدْلَالُ بقَوْلِهِ: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7 - 8] ، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أَنَّ هَذَا القَوْلَ هو الصَّحِيحُ عندَ المُحَقِّقِينَ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا القَوْلُ عن الحَسَنِ البَصْرِيِّ، وبِلَالِ بنِ سَعْدٍ الدِّمَشْقِيِّ، قَالَ الحَسَنُ فِي العَبْدِ يُذْنِبُ، ثُمَّ يَتُوبُ، ويَسْتَغْفِرُ: يُغْفَرُ لَهُ، ولَكِنْ لَا يُمْحَاهُ مِن كِتَابِهِ دُونَ أَنْ يَقِفَه عَلَيْهِ، ثُمَّ يَسْأَلَه عنه، ثُمَّ بَكَى الحَسَنُ بُكَاءً شَدِيدًا، وَقَالَ: لَوْلَمْ نَبْكِ إلَّا للحَيَاءِ مِن ذَلِكَ المَقَامِ، لكَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَبْكِيَ.
وَقَالَ بِلَالُ بنُ سَعْدٍ: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ، ولَكِنْ لَا يَمْحُوهَا مِن الصَّحِيفَةِ حَتَّى يُوقِفَهُ عَلَيْهَا يَوْمَ القِيَامَةِ وإِنْ تَابَ.
وقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: يُدْنِي اللَّهُ العَبْدَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، فيَسْتُرُه مِنَ الخَلَائِقِ كُلِّها، ويَدْفَعُ إِلَيْهِ كِتَابَهُ فِي ذَلِكَ السِّتْرِ، فيَقُولُ: اقْرَأْ يَا ابنَ آدَمَ كِتَابَكَ، فَيَقْرَأُ، فَيَمُرُّ بالْحَسَنَةِ، فَيَبْيَضُّ لَهَا وَجْهُهُ، ويُسَرُّ بِهَا قَلْبُه، فيَقُولُ اللَّهُ: أَتَعْرِفُ يَا عَبْدِي؟ فيَقُولُ: نَعَمْ، فيَقُولُ: إِنَّي قَبِلْتُهَا مِنْكَ، فيَسْجُدُ، فيَقُولُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ وَعُدْ فِي كِتَابِكَ، فيَمُرُّ بالسيِّئَةِ، فيَسْوَدُّ لَهَا وَجْهُهُ،، ويَوْجَلُ مِنْهَا قَلْبُه، وتَرْتَعِدُ مِنْهَا فَرَائِصُهُ، ويَأْخُذُهُ مِن الحَيَاءِ مِن رَبِّه مَا لَا يَعْلَمُه غَيْرُه، فيَقُولُ: أَتَعْرِفُ يَا عَبْدِي؟ فيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبِّ، فيَقُولُ: إِنِّي قَدْ غَفَرْتُهَا لَكَ، فيَسْجُدُ، فَلَا يَرَى منه الخَلَائِقُ إلَّا السُّجُودَ حَتَّى يُنَادِيَ بَعْضُهُم بَعْضًا: طُوبَى لِهَذَا العَبْدِ الذِي لَمْ يَعْصِ اللَّهَ قطُّ، وَلَا يَدْرُونَ مَا قَدْ لَقِيَ فِيمَا بَيْنَه وبَيْنَ رَبِّه مِمَّا قَدْ وَقَفَهُ عَلَيْهِ.
وقَالَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ عَنْ سَلْمَانَ: يُعْطَى الرَّجُلُ صَحِيفَتَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، فيَقْرَأُ أَعْلَاهَا، فَإِذَا سَيِّئَاتُه، فَإِذَا كَادَ يَسُوءُ ظَنُّه، نَظَرَ فِي أَسْفَلِهَا، فَإِذَا حَسَنَاتُه، ثُمَّ نَظَرَ فِي أَعْلَاهَا فَإِذَا هِيَ قَدْ بُدِّلَتْ حَسَنَاتٍ. ورُوِيَ عن أَبِي عُثْمَانَ، عن ابنِ مَسْعُودٍ، وعن أَبِي عُثْمَانَ مِن قَوْلِهِ: وهو أَصَحُّ.
ورَوَى ابنُ أَبِي حَاتِمٍ بإِسْنَادِهِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ قَالَ: يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ: المُتَّقِينَ، ثُمَّ الشَّاكِرِينَ، ثُمَّ الخَائِفِينَ، ثُمَّ أَصْحَابِ اليَمِينِ. قِيلَ: لِمَ سُمُّوا أَصْحَابَ اليَمِينِ؟ قَالَ: لِأَنَّهُم عَمِلُوا الْحَسَنَاتِ والسَّيِّئَاتِ، فأُعْطُوا كُتُبَهُم بأَيْمَانِهِم، فقَرَؤُوا سَيِّئَاتِهِم حَرْفًا حَرْفًا قَالُوا: يَا رَبَّنَا هذه سَيِّئَاتُنَا فَأَيْنَ حَسَنَاتُنَا؟ فَعِنْدَ ذَلِكَ مَحَا اللَّهُ السَّيِّئَاتِ، وجَعَلَهَا حَسَنَاتٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالُوا: {هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ} [الحاقة: 19] فَهُمْ أَكْثَرُ أَهْلِ الجَنَّةِ. وأَهْلُ هَذَا القَوْلِ قَدْ يَحْمِلُونَ أَحَادِيثَ مَحْوِ السَّيِّئَاتِ بالْحَسَنَاتِ عَلَى مَحْوِ عُقُوبَاتِهَا دُونَ مَحْوِ كِتَابَتِهَا مِن الصُّحُفِ واللَّهُ أَعْلَمُ.
وقَوْلُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ ) )فَهَذَا مِن خِصَالِ التَّقْوَى، وَلَا تَتِمُّ التَّقْوَى إِلَّا بِهِ، وَإِنَّمَا أَفْرَدَه بالذِّكْرِ للحَاجَةِ إِلَى بَيَانِهِ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِن النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّ التَّقْوَى هِيَ القِيَامُ بِحَقِّ اللَّهِ دُونَ حُقُوقِ عِبَادِهِ، فنَصَّ لَهُ عَلَى الْأَمْرِ بإِحْسَانِ العِشْرَةِ للنَّاسِ؛ فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ مُعَلِّمًا لَهُم ومُفَقِّهًا وقَاضِيًا، ومَنْ كَانَ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّه يَحْتَاجُ إِلَى مُخَالَقَةِ النَّاسِ بِخُلُقٍ حَسَنٍ مَا لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ غَيْرُه مِمَّنْ لَا حَاجَةَ للنَّاسِ بِهِ وَلَا يُخَالِطُهُم، وكَثِيرًا مَا يَغْلِبُ عَلَى مَن يَعْتَنِي بالقِيَامِ بِحُقُوقِ اللَّهِ، والْانْعِكَافِ عَلَى مَحَبَّتِهِ وخَشْيَتِهِ وطَاعَتِهِ إِهْمَالُ حُقُوقِ العِبَادِ بالكُلِّيَّةِ أو التَّقْصِيرُ فِيهَا، والْجَمْعُ بَيْنَ القِيَامِ بِحُقُوقِ اللَّهِ وحُقُوقِ عِبَادِهِ عَزِيزٌ جِدًّا لَا يَقْوَى عَلَيْهِ إِلَّا الكُمَّلُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ والصِّدِّيقِينَ.
وقَالَ الحَارِثُ المُحَاسِبِيُّ: ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ عَزِيزَةٌ أو مَعْدُومَةٌ: حُسْنُ الوَجْهِ مَعَ الصِّيَانَةِ، وحُسْنُ الخُلُقِ مَعَ الدِّيَانَةِ، وحُسْنُ الْإِخَاءِ مَعَ الْأَمَانَةِ. وقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: جَلَسَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَالِيًا، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَالِي أَرَاكَ خَالِيًا؟ قَالَ: هَجَرْتُ النَّاسَ فِيكَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، قَالَ: يَا دَاوُدُ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَا تَسْتَبْقِي بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ، وتَبْلُغُ فِيهِ رِضَايَ؟ خَالِقِ النَّاسَ بأَخْلَاقِهِم، واحْتَجِزِ الْإِيمَانَ بَيْنِي وبَيْنَكَ.