فهرس الكتاب
وقالَ سَلْمَانُ الفَارِسِيُّ: إِذَا كَانَ الرَّجُلُ دَعَّاءً فِي السَّرَّاءِ، فنَزَلَتْ بِهِ ضَرَّاءُ، فدَعَا اللَّهَ تَعَالَى، قَالَت المَلَائِكَةُ: صَوْتٌ مَعْرُوفٌ، فَشَفَعُوا لَهُ. وإِذَا كَانَ لَيْسَ بدَعَّاءٍ فِي السَّرَّاءِ، فنَزَلَتْ بِهِ ضَرَّاءُ، فَدَعا اللَّهَ تعَالَى، قالَت المَلَائِكَةُ: صَوْتٌ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ. فَلَا يَشْفَعُونَ لَهُ.
وقَالَ رَجُلٌ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ: أَوْصِنِي، فقَالَ: اذْكُر اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ يَذْكُرْكَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِي الضرَّاءِ.
وعنهُ أَنَّهُ قَالَ: ادْعُ اللَّهَ فِي يَوْمِ سَرَّائِكَ؛ لَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكَ فِي يَوْمِ ضَرَّائِكَ.
وأعْظَمُ الشَّدَائِدِ الَّتِي تَنْزِلُ بالعَبْدِ فِي الدُّنْيَا المَوْتُ، وَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ منهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَصِيرُ العَبْدِ إِلَى خَيْرٍ، فالوَاجِبُ عَلَى المُؤْمِنِ الاسْتِعْدَادُ للمَوْتِ ومَا بَعْدَهُ فِي حَالِ الصِّحَّةِ بالتَّقْوَى والْأعْمَالِ الصَّالِحَةِ، قَالَ اللَّهُ عزَّ وجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} الحَشْر: 18 - 19].
فمَنْ ذَكَرَ اللَّهَ فِي حَالِ صِحَّتِهِ ورَخَائِهِ، واسْتَعَدَّ حِينَئذٍ لِلِقَاءِ اللَّهِ بالمَوْتِ ومَا بعْدَهُ، ذَكَرَهُ اللَّهُ عندَ هَذِهِ الشَّدَائِدِ، فكَانَ مَعَهُ فِيهَا، ولَطَفَ بِهِ وأَعَانَهُ، وتَوَلَّاهُ وثَبَّتَهُ عَلَى التَّوْحِيدِ، فلَقِيَهُ وهوَ عنهُ راضٍ. ومَنْ نَسِيَ اللَّهَ فِي حالِ صِحَّتِهِ ورَخَائِهِ، وَلَمْ يَسْتَعِدَّ حِينَئذٍ للقَائِهِ، نَسِيَهُ اللَّهُ فِي هذهِ الشَّدَائِدِ، بِمَعْنَى أنَّهُ أَعْرَضَ عنهُ وأَهْمَلَهُ، فإذا نَزَلَ الموتُ بالمؤمِنِ المُسْتَعِدِّ لهُ أحْسَنَ الظَّنَّ برَبِّهِ، وجَاءَتْهُ البُشْرَى مِن اللَّهِ، فأحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ، وأحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، والفاجِرُ بعَكْسِ ذلكَ، وحِينَئذٍ يَفْرَحُ المؤمِنُ، ويَسْتَبْشِرُ بِمَا قَدَّمَهُ مِمَّا هوَ قَادِمٌ عليهِ، ويَنْدَمُ المُفَرِّطُ ويَقُولُ: {يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} [الزُّمَر: 56] .
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ قَبْلَ مَوْتِهِ: كيفَ لَا أَرْجُو رَبِّي وَقَدْ صُمْتُ لهُ ثَمَانِينَ رَمَضَانَ؟!
وقالَ أَبُو بَكْرِ بنُ عَيَّاشٍ لِابْنِهِ عندَ مَوْتِهِ: أَتَرَى اللَّهَ يُضَيِّعُ لِأَبِيكَ أَرْبعِينَ سَنَةً يَخْتِمُ القُرْآنَ كُلَّ لَيْلَةٍ؟!
وخَتَمَ آدَمُ بنُ أَبِي إِياسٍ القُرْآنَ وهوَ مُسَجًّى للمَوْتِ، ثُمَّ قالَ: بِحُبِّي لَكَ إِلَّا رَفَقْتَ بِي فِي هذا المَصْرَعِ، كُنْتُ أُؤَمِّلُكَ لِهَذَا اليَوْمِ، كُنْتُ أَرْجُوكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. ثُمَّ قَضَى.
ولَمَّا احْتُضِرَ زَكَرِيَّا بنُ عَدِيٍّ، رَفَعَ يَدَيْهِ وقالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي إليكَ لَمُشْتَاقٌ. وقَالَ عبدُ الصَّمَدِ الزَّاهِدُ عندَ مَوْتِهِ: سَيِّدِي لهذهِ السَّاعَةِ خَبَّأْتُكَ، ولهذا اليومِ اقْتَنَيْتُكَ، حَقِّقْ حُسْنَ ظنِّي بِكَ.
وقال قَتَادَةُ فِي قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [الطَّلاق: 2] ، قالَ: مِن الكَرْبِ عندَ الموتِ.
وقالَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَلْحَةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ فِي هذهِ الآيَةِ: يُنْجِيهِ مِنْ كُلِّ كَرْبٍ فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وقالَ زَيْدُ بنُ أَسْلَمَ فِي قولِهِ عزَّ وجلَّ: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا} الآيَةَ [فُصِّلَتْ: 30] ، قالَ: يُبَشَّرُ بذلكَ عندَ موتِهِ، وفي قَبْرِهِ، ويومَ يُبْعَثُ؛ فإِنَّهُ لَفِي الْجَنَّةِ وما ذَهَبَتْ فَرْحَةُ البِشَارَةِ مِنْ قَلْبِهِ.
وقَالَ ثابِتٌ البُنَانِيُّ فِي هذهِ الآيَةِ: بَلَغَنَا أَنَّ المُؤْمِنَ حَيْثُ يَبْعَثُهُ اللَّهُ مِنْ قَبْرِهِ، يَتَلَقَّاهُ مَلَكَاهُ اللَّذَانِ كانَا معَهُ فِي الدُّنْيَا، فيقولانِ لهُ: لا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ. فيُؤَمِّنُ اللَّهُ خَوْفَهُ، ويُقِرُّ اللَّهُ عَيْنَهُ، فَمَا مِنْ عَظِيمَةٍ تَغْشَى النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ إلَّا هيَ للمُؤْمِنِ قُرَّةُ عَيْنٍ لِمَا هَدَاهُ اللَّهُ، ولِمَا كانَ يَعْمَلُ فِي الدُّنْيَا.
وقولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ) ). هذا مُنْتَزَعٌ مِنْ قولِهِ تعالَى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ؛ فإنَّ السؤالَ للَّهِ هوَ دُعاؤُهُ والرَّغْبَةُ إليهِ، والدُّعاءَ هوَ العِبَادَةُ، كذا رُوِيَ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ، وتَلَا قولَهُ تعالَى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غَافِر: 60] ، خَرَّجَهُ الإمامُ أَحْمَدُ، وأَبُو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسَائِيُّ، وابنُ مَاجَهْ.