فهرس الكتاب
وهَذِهِ المَعْرِفَةُ الخَاصَّةُ هيَ الَّتِي يَدُورُ حَوْلَهَا العَارِفُونَ، كَمَا قَالَ بَعْضُهُم: مَسَاكِينُ أَهْلُ الدُّنْيَا، خَرَجُوا مِنهَا ومَا ذَاقُوا أَطْيَبَ مَا فِيهَا، قِيلَ لَهُ: وَمَا هوَ؟ قَالَ: مَعْرِفَةُ اللَّهِ عزَّ وجَلَّ.
وقَالَ أَحْمَدُ بنُ عاصِمٍ الْأَنْطَاكِيُّ: أُحِبُّ أَلَّا أَمُوتَ حَتَّى أعْرِفَ مَوْلَايَ، ولَيْسَ مَعْرِفَتُهُ الْإِقْرَارَ بِهِ، ولكِنَّ المَعْرِفَةَ الَّتِي إِذَا عَرَفْتُهُ اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ.
ومَعْرِفَةُ اللَّهِ أيضًا لعَبْدِهِ نَوْعَانِ:
مَعْرِفَةٌ عامَّةٌ، وهيَ عِلْمُهُ سُبْحَانَهُ بعِبَادِهِ، واطِّلَاعُهُ عَلَى ما أَسَرُّوهُ ومَا أَعْلَنُوهُ، كَمَا قَالَ: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} [ق: 16] ، وقَالَ: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} [النَّجْم: 32] .
الثَّانِي: مَعْرِفَةٌ خَاصَّةٌ، وهيَ تَقْتَضِي مَحَبَّتَهُ لعَبْدِهِ، وتَقْرِيبَهُ إِلَيْهِ، وإِجَابَةَ دُعَائِهِ، وإِنْجَاءَهُ مِن الشَّدَائِدِ، وهيَ المُشَارُ إليها بقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما يَحْكِي عنْ رَبِّهِ: (( وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، فَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ ) )، وفي رِوَايَةٍ: (( وَلَئِنْ دَعَانِي لَأُجِيبَنَّهُ ) ).
ولَمَّا هَرَبَ الحَسَنُ مِن الحَجَّاجِ دَخَلَ إِلى بَيْتِ حَبِيبٍ أَبِي مُحَمَّدٍ، فَقَالَ لَهُ حَبِيبٌ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، أَلَيْسَ بَيْنَكَ وبَيْنَ رَبِّكَ مَا تَدْعُوهُ فَيَسْتُرَكَ مِنْ هؤلاءِ؟ ادْخُل البَيْتَ، فدَخَلَ، ودَخَلَ الشُّرَطُ عَلَى أَثَرِهِ، فَلَمْ يرَوْهُ، فذُكِرَ ذَلِكَ للحَجَّاجِ، فَقَالَ: بَلْ كَانَ فِي البَيْتِ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ طَمَسَ أَعْيُنَهُمْ فَلَمْ يَرَوْهُ.
واجْتَمَعَ الفُضَيْلُ بنُ عِياضٍ بِشَعْوانَةَ العَابِدَةِ، فسَأَلَهَا الدُّعَاءَ، فقَالَتْ: يَا فُضَيْلُ، وَمَا بَيْنَكَ وبَيْنَهُ مَا إِنْ دَعَوْتَهُ أَجَابَكَ، فغُشِيَ علَى الفُضَيْلِ.
وقِيلَ لِمَعْرُوفٍ: ما الَّذِي هَيَّجَكَ إِلَى الانْقِطَاعِ والعِبَادَةِ؟ وذَكَرَ لَهُ المَوْتَ والبَرْزَخَ والجنَّةَ والنَّارَ، فَقَالَ مَعْرُوفٌ: إِنَّ مَلِكًا هَذَا كُلُّهُ بيدِهِ، إِنْ كَانَتْ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ مَعْرِفَةٌ كَفَاكَ جَمِيعَ هَذَا.
وفي الجُمْلَةِ، فمَنْ عَامَلَ اللَّهَ بالتَّقْوَى والطَّاعَةِ فِي حَالِ رَخَائِهِ عَامَلَهُ اللَّهُ باللُّطْفِ والْإِعَانَةِ في حَالِ شِدَّتِهِ.
وخرَّجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ، فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ في الرَّخَاءِ ) ).
وخرَّجَ ابنُ أَبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أنَسٍ يَرْفَعُهُ: (( أَنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا دَعَا فِي بَطْنِ الْحُوتِ، قَالَتِ المَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ، هَذَا صَوْتٌ مَعْرُوفٌ مِنْ بِلَادٍ غَرِيبَةٍ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَمَا تَعْرِفُونَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: عَبْدِي يُونُسُ، قَالُوا: عَبْدُكَ يُونُسُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ يُرْفَعُ لَهُ عَمَلٌ مُتَقَبَّلٌ وَدَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: يَا رَبِّ، أَفَلَا تَرْحَمُ مَا كَانَ يَصْنَعُ فِي الرَّخَاءِ فَتُنْجِيَهُ مِنَ الْبَلَاءِ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَأَمَرَ اللَّهُ الْحُوتَ فَطَرَحَهُ بِالْعَرَاءِ ) ).
وقَالَ الضَّحَّاكُ بنُ قَيْسٍ: اذْكُرُوا اللَّهَ في الرَّخَاءِ يَذْكُرْكُم فِي الشِّدَّةِ، وإِنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى، فلَمَّا وَقَعَ في بَطْنِ الحُوتِ قَالَ اللَّهُ عزَّ وجَلَّ: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصَّافَّات: 143، 144] ، وإِنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ طَاغِيًا نَاسِيًا لذِكْرِ اللَّهِ، فلَمَّا أَدْرَكَهُ الغَرَقُ قَالَ: آمَنْتُ، فَقَالَ تَعَالَى: {آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [يُونُس: 91] .