فهرس الكتاب
كتَبَ بعضُ السَّلَفِ إِلَى أَخٍ لهُ: أمَّا بَعْدُ، فَإِنْ كَانَ اللَّهُ مَعَكَ فمَنْ تَخَافُ؟ وإِنْ كَانَ عَلَيْكَ فمَنْ تَرْجُو؟
وهَذِهِ المَعِيَّةُ الخَاصَّةُ هيَ المَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى لِمُوسَى وهَارُونَ: {لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46] ، وقَوْلِ مُوسَى: {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشُّعَراء: 62] ، وفي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ وَهُمَا فِي الغَارِ: (( مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا؟ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ) ).
فهَذِهِ المَعِيَّةُ الخَاصَّةُ تَقْتَضِي النَّصْرَ والتَّأيِيدَ، والحِفْظَ والْإِعَانَةَ، بِخِلَافِ المَعِيَّةِ العَامَّةِ المَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا} [المُجَادَلَة: 7] ، وقولِهِ: {وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ} [النساء: 108] ؛ فَإِنَّ هَذِهِ المَعِيَّةَ تَقْتَضِي عِلْمَهُ واطِّلَاعَهُ ومُرَاقَبَتَهُ لِأَعْمَالِهِم، فَهِيَ مُقْتَضِيَةٌ لتَخْوِيفِ العِبَادِ مِنْهُ. والْمَعيَّةُ الْأُولَى تَقْتَضِي حِفْظَ العَبْدِ وحِيَاطَتَهُ ونَصْرَهُ، فمَنْ حَفِظَ اللَّهَ ورَاعَى حُقُوقَهُ وَجَدَهُ أَمَامَهُ وتُجَاهَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فاسْتَأْنَسَ بِهِ، واسْتَغْنَى بِهِ عنْ خَلْقِهِ، كَمَا فِي حَدِيثِ: (( أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ يَعْلَمَ الْعَبْدُ أَنَّ اللَّهَ مَعَهُ حَيْثُ كَانَ ) ). وَقَدْ سَبَقَ.
ورُوِيَ عنْ بُنَانٍ الحَمَّالِ، أنَّهُ دَخَلَ الْبَرِّيَّةَ وَحْدَهُ عَلَى طَرِيقِ تَبُوكَ، فاسْتَوْحَشَ، فهَتَفَ بِهِ هَاتِفٌ: لِمَ تَسْتَوْحِشُ؟ أَلَيْسَ حَبِيبُكَ مَعَكَ؟
وقِيلَ لبَعْضِهِم: أَلَا تَسْتَوْحِشُ وَحْدَكَ؟ فَقَالَ: كَيْفَ أَسْتَوْحِشُ وهوَ يَقُولُ: (( أَنَا جَلِيسُ مَنْ ذَكَرَنِي ) ). وقِيلَ لآخَرَ: نَرَاكَ وَحْدَكَ؟ فَقَالَ: مَنْ يَكُن اللَّهُ مَعَهُ، كَيْفَ يَكُونُ وَحْدَهُ؟ وقِيلَ لآخَرَ: أَمَا مَعَكَ مُؤْنِسٌ؟ قَالَ: بَلَى، قِيلَ لَهُ: أَيْنَ هوَ؟ قَالَ: أَمَامِي، ومَعِي، وخَلْفِي، وعنْ يَمِينِي، وعَنْ شِمَالِي، وفَوْقِي. وكَانَ الشِّبْلِيُّ يُنْشِدُ:
إِذَا نَحْنُ أَدْلَجْنَا وَأَنْتَ أَمَامَنَا * كَفَى لِمَطايَانَا بذِكْرَاكَ هَادِيَا
قولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ ) )، يَعْنِي أَنَّ العَبْدَ إِذَا اتَّقَى اللَّهَ، وحَفِظَ حُدُودَهُ، ورَاعَى حُقُوقَهُ في حالِ رَخَائِهِ، فَقَدْ تَعَرَّفَ بذَلِكَ إِلَى اللَّهِ، وصَارَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ مَعْرِفَةٌ خَاصَّةٌ، فعَرَفَهُ ربُّهُ في الشِّدَّةِ، ورَعَى لَهُ تَعَرُّفَهُ إِلَيْهِ في الرَّخَاءِ، فنَجَّاهُ مِن الشَّدَائِدِ بِهَذِهِ المَعْرِفَةِ. وهَذِهِ مَعْرِفَةٌ خَاصَّةٌ تَقْتَضِي قُرْبَ العَبْدِ مِنْ رَبِّهِ، ومَحَبَّتَهُ لَهُ، وإِجَابَتَهُ لدُعَائِهِ.
فمَعْرِفَةُ العَبْدِ لرَبِّهِ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: المَعْرِفَةُ العَامَّةُ، وهيَ مَعْرِفَةُ الْإِقْرَارِ بِهِ والتَّصْدِيقِ والإيمانِ. وهَذِهِ عَامَّةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.
والثَّانِي: مَعْرِفَةٌ خَاصَّةٌ، تَقْتَضِي مَيْلَ القَلْبِ إِلَى اللَّهِ بالكُلِّيَّةِ، والانْقِطَاعَ إِلَيْهِ، والْأُنْسَ بِهِ، والطُّمَأْنِينَةَ بذِكْرِهِ، والحَيَاءَ مِنْهُ، والْهَيْبَةَ لَهُ.