الصفحة 157 من 391

وعَكْسُ هَذَا أنَّ مَنْ ضَيَّعَ اللَّهَ ضيَّعَهُ اللَّهُ، فضَاعَ بَيْنَ خَلْقِهِ، حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ الضَّرَرُ والْأَذَى مِمَّنْ كَانَ يَرْجُو نَفْعَهُ مِنْ أَهْلِهِ وغَيْرِهِم، كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إِنِّي لَأَعْصِي اللَّهَ، فأَعْرِفُ ذَلِكَ في خُلُقِ خَادِمِي وَدَابَّتِي.

النوعُ الثانِي مِن الحِفْظِ، وهوَ أَشْرَفُ النَّوْعَيْنِ: حِفْظُ اللَّهِ للعَبْدِ فِي دِينِهِ وإِيمَانِهِ، فيَحْفَظُهُ في حَيَاتِهِ مِن الشُّبُهَاتِ المُضِلَّةِ، ومِن الشهَوَاتِ المُحَرَّمَةِ، ويَحْفَظُ عَلَيْهِ دِينَهُ عِندَ مَوْتِهِ، فيَتَوَفَّاهُ علَى الإِيمَانِ. قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إِذَا حَضَرَ الرَّجُلَ الموتُ يُقَالُ للمَلَكِ: شُمَّ رَأْسَهُ، قَالَ: أَجِدُ في رَأْسِهِ القُرْآنَ، قَالَ: شُمَّ قَلْبَهُ، قَالَ: أَجِدُ في قَلْبِهِ الصِّيَامَ، قَالَ: شُمَّ قَدَمَيْهِ، قَالَ: أَجِدُ فِي قَدَمَيْهِ القِيَامَ، قَالَ: حَفِظَ نَفْسَهُ، فحَفِظَهُ اللَّهُ.

وفي (الصَّحِيحَيْنِ) : عَن البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ مَنَامِهِ: (( إِنْ قَبَضْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ ) ).

وفِي حَدِيثِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَهُ أَنْ يَقُولَ: (( اللَّهُمَّ احْفَظْنِي بِالْإِسْلَامِ قَائِمًا، وَاحْفَظْنِي بِالْإِسْلَامِ قَاعِدًا، وَاحْفَظْنِي بِالْإِسْلَامِ رَاقِدًا، وَلَا تُطِعْ فِيَّ عَدُوًّا وَلَا حَاسِدًا ) ). خرَّجَهُ ابنُ حِبَّانَ في (صَحِيحِهِ) .

وكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوَدِّعُ مَنْ أَرَادَ سَفَرًا فيَقُولُ: (( أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ ) )، وكَانَ يَقُولُ: (( إِنَّ اللَّهَ إِذَا اسْتُودِعَ شَيْئًا حَفِظَهُ ) ). خرَّجَهُ النَّسَائِيُّ وغَيْرُهُ.

وفي الجُمْلَةِ، فاللَّهُ عزَّ وجَلَّ يَحْفَظُ علَى المُؤْمِنِ الحَافِظِ لحُدُودِهِ دينَهُ، ويَحُولُ بينَهُ وبَيْنَ ما يُفْسِدُ عَلَيْهِ دِينَهُ بأَنْوَاعٍ مِن الحِفْظِ، وقَدْ لَا يَشْعُرُ العَبْدُ ببعْضِهَا، وَقَدْ يَكُونُ كَارِهًا لَهُ، كَمَا قَالَ فِي حَقِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصِينَ} [يُوسُف: 24] .

قَالَ ابنُ عبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} [الأنفال: 24] ، قَالَ: يَحُولُ بَيْنَ المُؤْمِنِ وبَيْنَ المَعْصِيَةِ الَّتِي تَجُرُّهُ إِلَى النَّارِ.

وقَالَ الحَسَنُ، وذَكَرَ أَهْلَ المَعَاصِي: هَانُوا عَلَيْهِ فعَصَوْهُ، وَلَوْ عَزُّوا عَلَيْهِ لعَصَمَهُم.

وقَالَ ابنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ العَبْدَ لَيَهُمُّ بالْأَمْرِ مِن التِّجَارَةِ والْإِمَارَةِ حَتَّى يُيَسَّرَ لَهُ، فيَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ فيَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ: اصْرِفُوهُ عَنْهُ؛ فإِنِّي إِنْ يَسَّرْتُهُ لَهُ أَدْخَلْتُهُ النَّارَ. فيَصْرِفُهُ اللَّهُ عنهُ، فيَظَلُّ يَتَطَيَّرُ يَقُولُ: سَبَقَنِي فُلَانٌ، دَهَانِي فُلَانٌ. وَمَا هوَ إِلَّا فَضْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

وخَرَّجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أنَسٍ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إِلَّا الْفَقْرُ، وَإِنْ بَسَطْتُ عَلَيْهِ أَفْسَدَهُ ذَلِكَ. وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إِلَّا الْغِنَى، وَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ. وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إِلَّا الصِّحَّةُ، وَلَوْ أَسْقَمْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ. وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إِلَّا السَّقَمُ، وَلَوْ أَصْحَحْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ. وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ يَطْلُبُ بَابًا مِنَ الْعِبَادَةِ، فَأَكُفُّهُ عَنْهُ؛ لِكَيْلَا يَدْخُلَهُ الْعُجْبُ. إِنِّي أُدَبِّرُ عِبَادِي بِعِلْمِي بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ، إِنِّي عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) ).

وقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ ) )، وفي رِوَايَةٍ: (( أَمَامَكَ ) )، مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ حَفِظَ حُدُودَ اللَّهِ، ورَاعَى حُقُوقَهُ، وجَدَ اللَّهَ معَهُ في كُلِّ أَحْوَالِهِ، حَيْثُ تَوَجَّهُ يَحُوطُهُ ويَنْصُرُهُ ويَحْفَظُهُ ويُوَفِّقُهُ ويُسَدِّدُهُ، فَـ {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 128] . قَالَ قَتَادَةُ: مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَكُنْ مَعَهُ، ومَنْ يَكُن اللَّهُ معَهُ فمَعَهُ الْفِئَةُ الَّتِي لَا تُغْلَبُ، والحَارِسُ الذِي لَا يَنَامُ، والهَادِي الذِي لَا يَضِلُّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت