فهرس الكتاب
أحدُهُما: حِفْظُهُ لهُ في مصالِحِ دُنْيَاهُ؛ كَحِفْظِهِ في بَدَنِهِ ووَلَدِهِ وأَهْلِهِ ومالِهِ، قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [الرَّعْد: 11] . قالَ ابنُ عبَّاسٍ: هم الملائِكَةُ يَحْفَظُونَهُ بأمْرِ اللَّهِ، فإِذا جاءَ القَدَرُ خَلَّوْا عنهُ.
وقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ معَ كُلِّ رَجُلٍ مَلَكَيْنِ يَحْفَظَانِهِ مِمَّا لمْ يُقَدَّرْ، فإِذا جاءَ القَدَرُ خَلَّيَا بينَهُ وبينَهُ، وإنَّ الأجلَ جُنَّةٌ حَصِينَةٌ.
وقالَ مُجَاهِدٌ: ما مِنْ عبدٍ إلَّا لهُ مَلَكٌ يَحْفَظُهُ في نَوْمِهِ ويَقَظَتِهِ مِن الجِنِّ والإِنْسِ والهَوَامِّ، فمَا مِنْ شيءٍ يَأْتِيهِ إلَّا قالَ: وَرَاءَكَ، إلَّا شيئًا أَذِنَ اللَّهُ فيهِ فيُصِيبُهُ.
وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسَائِيُّ مِنْ حديثِ ابنِ عُمَرَ قالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَعُ هؤلاءِ الدَّعَوَاتِ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ: (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَتِي، وَآمِنْ رَوْعَتِي، وَاحْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ، وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي ) ).
ومَنْ حَفِظَ اللَّهَ في صِبَاهُ وقُوَّتِهِ حَفِظَهُ اللَّهُ في حالِ كِبَرِهِ وضَعْفِ قُوَّتِهِ، ومَتَّعَهُ بسَمْعِهِ وبَصَرِهِ وحَوْلِهِ وقُوَّتِهِ وَعَقْلِهِ.
كانَ بعضُ العلماءِ قدْ جَاوَزَ المِائَةَ سَنَةٍ وهوَ مُمَتَّعٌ بقُوَّتِهِ وعَقْلِهِ، فوَثَبَ يَوْمًا وَثْبَةً شَدِيدَةً، فَعُوتِبَ في ذلكَ، فقالَ: هذهِ جوارِحُ حَفِظْنَاهَا عَن المَعَاصِي في الصِّغَرِ، فحَفِظَها اللَّهُ عَلَيْنَا في الكِبَرِ. وعَكْسُ هذا أنَّ بعضَ السلَفِ رأى شَيْخًا يَسْأَلُ الناسَ، فقالَ: إنَّ هذا ضَيَّعَ اللَّهَ في صِغَرِهِ، فضَيَّعَهُ اللَّهُ في كِبَرِهِ.
وَقَدْ يَحْفَظُ اللَّهُ العَبْدَ بصَلَاحِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ في ذُرِّيَّتِهِ، كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} [الكهف: 82] : إنَّهُمَا حُفِظَا بصَلَاحِ أَبِيهِمَا. قَالَ سَعِيدُ بنُ المُسَيِّبِ لِابْنِهِ: لَأَزِيدَنَّ فِي صَلَاتِي مِنْ أَجْلِكَ؛ رَجَاءَ أنْ أُحْفَظَ فِيكَ. ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ: {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} . وقَالَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ: ما مِنْ مُؤْمِنٍ يَمُوتُ إلَّا حَفِظَهُ اللَّهُ في عَقِبِهِ وعَقِبِ عَقِبِهِ.
وقَالَ ابنُ المُنْكَدِرِ: إِنَّ اللَّهَ ليَحْفَظُ بالرَّجُلِ الصَّالِحِ وَلَدَهُ وَوَلَدَ ولَدِهِ والدُّوَيْرَاتِ الَّتِي حَوْلَهُ، فَمَا يَزَالُونَ فِي حِفْظٍ مِن اللَّهِ وسَتْرٍ.
ومَتَى كَانَ العَبْدُ مُشْتَغِلًا بطَاعَةِ اللَّهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَحْفَظُهُ في تِلْكَ الحَالِ. وفي (مُسْنَدِ الإمامِ أَحْمَدَ) : عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( كَانَتِ امْرَأَةٌ فِي بَيْتٍ، فَخَرَجَتْ فِي سَرِيَّةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَتَرَكَتْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ عَنْزًا وَصِيصِيَتَهَا كَانَتْ تَنْسِجُ بِهَا، قَالَ: فَفَقَدَتْ عَنْزًا لَهَا وَصِيصِيَتَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَبِّ، إِنَّكَ قَدْ ضَمِنْتَ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِكَ أَنْ تَحْفَظَ عَلَيْهِ، وَإِنِّي قَدْ فَقَدْتُ عَنْزًا مِنْ غَنَمِي وَصِيصِيَتِي، وَإِنِّي أَنْشُدُكَ عَنْزِي وَصِيصِيَتِي ) ). قَالَ: وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ شِدَّةَ مُنَاشَدَتِهَا رَبَّهَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى، قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( فَأَصْبَحَتْ عَنْزُهَا وَمِثْلُهَا، وَصِيصِيَتُهَا وَمِثْلُهَا ) ). والصِّيصِيَةُ: هِيَ الصِّنَّارَةُ الَّتِي يُغْزَلُ بِهَا ويُنْسَجُ.
فمَنْ حَفِظَ اللَّهَ حَفِظَهُ اللَّهُ مِنْ كُلِّ أَذًى. قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَن اتَّقَى اللَّهَ فَقَدْ حَفِظَ نَفْسَهُ، ومَنْ ضَيَّعَ تَقْوَاهُ فَقَدْ ضَيَّعَ نَفْسَهُ، واللَّهُ الغَنِيُّ عنهُ.
ومِنْ عَجِيبِ حِفْظِ اللَّهِ لِمَنْ حَفِظَهُ أَنْ يَجْعَلَ الحَيَوَانَاتِ المُؤْذِيَةَ بالطَّبْعِ حافِظَةً لَهُ مِن الْأَذَى، كَمَا جَرَى لِسَفِينَةِ مَوْلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ كُسِرَ بِهِ المَرْكِبُ، وخَرَجَ إلى جَزِيرَةٍ، فَرَأَى الْأَسَدَ، فجَعَلَ يَمْشِي مَعَهُ حَتَّى دَلَّهُ عَلَى الطَّرِيقِ، فَلَمَّا أَوْقَفَهُ عَلَيْهَا جَعَلَ يُهَمْهِمُ كَأَنَّهُ يُوَدِّعُهُ، ثمَّ رَجَعَ عنهُ.
ورُؤِيَ إِبْرَاهِيمُ بنُ أَدْهَمَ نائِمًا في بُسْتَانٍِ وعندَهُ حيَّةٌ في فَمِهَا طَاقَةُ نَرْجِسٍ، فَمَا زَالَتْ تَذُبُّ عنهُ حتَّى اسْتَيْقَظَ.