فهرس الكتاب
فهوَ مِن الحافِظِينَ لحدودِ اللَّهِ الذينَ مَدَحَهم اللَّهُ في كتابِهِ، وقالَ عزَّ وجلَّ: {هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} [ق: 32، 33] . وفُسِّرَ الحَفِيظُ هَا هُنا بالحافِظِ لأوامِرِ اللَّهِ، وبالحافِظِ لذُنُوبِهِ لِيَتُوبَ مِنها.
ومِنْ أعظمِ ما يَجِبُ حِفظُهُ مِنْ أوامِرِ اللَّهِ الصَّلاةُ، وقدْ أمَرَ اللَّهُ بالمُحَافَظَةِ عليها فقالَ: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: 238] ، ومَدَحَ المُحَافِظِينَ عليها بقولِهِ: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المَعَارِج: 34] . وقالَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ ) )، وفي حديثٍ آخَرَ: (( مَنْ حَافَظَ عَلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) ).
وكذلِكَ الطهارةُ؛ فإنَّها مِفْتَاحُ الصلاةِ، وقالَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ ) ).
وممَّا يُؤْمَرُ بِحِفْظِهِ الأَيْمَانُ، قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} [المائِدة: 89] ؛ فإنَّ الأَيْمَانَ يَقَعُ الناسُ فيها كثيرًا، ويُهْمِلُ كثيرٌ مِنهم ما يَجِبُ بِهَا، فلا يَحْفَظُهُ ولا يَلْتَزِمُهُ.
ومِنْ ذلكَ حِفْظُ الرأسِ والبَطْنِ، كما في حديثِ ابنِ مسعودٍ المرفوعِ: (( الِاسْتِحْيَاءُ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَياءِ: أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَتَحْفَظَ الْبَطْنَ وَمَا حَوَى ) ). خرَّجَهُ الإمامُ أحمدُ والترمِذِيُّ.
وحِفْظُ الرأسِ وما وَعَى يَدْخُلُ فيهِ حِفْظُ السَّمْعِ والبَصَرِ واللسانِ مِن المُحَرَّمَاتِ، وحِفْظُ البطنِ وما حَوَى يَتَضَمَّنُ حِفْظَ القَلْبِ عَن الإصرارِ على مُحَرَّمٍ. قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ} [البقرة: 235] . وقدْ جَمَعَ اللَّهُ ذلكَ كُلَّهُ في قولِهِ: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسْرَاء: 36] .
ويَتَضَمَّنُ أيضًا حِفْظَ البَطْنِ مِنْ إدخالِ الحرامِ إليهِ مِن المآكِلِ والمَشارِبِ.
ومِنْ أعظمِ ما يَجِبُ حِفْظُهُ مِنْ نواهِي اللَّهِ عزَّ وجلَّ: اللِّسَانُ والفَرْجُ، وفي حديثِ أبي هُرَيْرَةَ، عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( مَنْ حَفِظَ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ، وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، دَخَلَ الْجَنَّةَ ) )، خرَّجَهُ الحاكِمُ.
وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ مِنْ حديثِ أبي موسَى، عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( مَنْ حَفِظَ مَا بَيْنَ فَقْمَيْهِ وَفَرْجِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ ) ).
وأمَرَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ بحفْظِ الفُرُوجِ، ومَدَحَ الحافِظِينَ لها فقالَ: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} [النور: 30] ، وقالَ: {وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35] ، وقالَ: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} إلى قولِهِ: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُم فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنونَ: 1 - 6] .
وقالَ أبو إِدْرِيسَ الخَوْلَانِيُّ: أَوَّلُ ما وَصَّى اللَّهُ بِهِ آدَمَ عندَ إِهْبَاطِهِ إلى الأرضِ: حِفْظُ فَرْجِهِ، وقالَ: لا تَضَعْهُ إلَّا في حَلالٍ.
وقولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( يَحْفَظْكَ ) )، يَعني: أنَّ مَنْ حَفِظَ حُدُودَ اللَّهِ، ورَاعَى حُقُوقَهُ، حَفِظَهُ اللَّهُ؛ فإنَّ الجزاءَ مِنْ جنسِ العَمَلِ، كما قالَ تعالَى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} [البقرة: 40] ، وقالَ: {فَاذكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152] ، وقالَ: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ} [مُحَمَّد: 7] .
وحِفْظُ اللَّهِ لعَبْدِهِ يَدْخُلُ فيهِ نَوْعَانِ: