الصفحة 154 من 391

الحديثُ التاسِعَ عَشَرَ

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: (( يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ ) ).

رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وفي رِوَايَةِ غَيْرِ التِّرْمِذِيِّ: (( احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ ليُخْطِئَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ) ). (1)

(1) هذا الحديثُ خرَّجَهُ الترْمِذِيُّ مِنْ روايَةِ حَنَشٍ الصَّنْعَانِيِّ عن ابنِ عبَّاسٍ، وخرَّجَهُ الإمامُ أحمدُ مِنْ حديثِ حَنَشٍِ أيضًا مَعَ إِسْنَادَيْنِ آخَرَيْنِ مُنْقَطِعَيْنِ، وَلَمْ يُمَيِّزْ لَفْظَ بعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ، ولَفْظُ حديثِهِ: (( يَا غُلَامُ، أَوْ يَا غُلَيْمُ، أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِنَّ؟ ) )فَقُلْتُ: بَلَى، فَقَالَ: (( احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، قَدْ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَوْ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ جَمِيعًا أَرَادُوا أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَقْضِهِ اللَّهُ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ) ).

وهذا اللفظُ أَتَمُّ مِن اللفظِ الذي ذكَرَهُ الشيخُ رَحِمَهُ اللَّهُ وعَزَاهُ إلى غيرِ التِّرمذيِّ، واللفظُ الذي ذكَرَهُ الشيخُ روَاهُ عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ في (مُسْنَدِهِ) بإسنادٍ ضَعِيفٍ عنْ عَطَاءٍ عن ابنِ عبَّاسٍ، وكذلكَ عزَاهُ ابنُ الصَّلَاحِ في (الأحاديثِ الكُلِّيَّةِ) التي هيَ أصلُ أربعينَ الشيخِ رَحِمَهُ اللَّهُ إلى عَبْدِ بنِ حُمَيْدٍ وغيرِهِ.

وقدْ رُوِيَ هذا الحديثُ عن ابنِ عبَّاسٍ مِنْ طُرُقٍ كثيرةٍ مِنْ روايَةِ ابنِهِ عَلِيٍّ، ومَوْلَاهُ عِكْرِمَةَ، وعَطَاءِ بنِ أبي رَبَاحٍ، وعَمْرِو بنِ دِينَارٍ، وعُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ، وعُمَرَ مَوْلَى غُفْرَةَ، وابنِ أبي مُلَيْكَةَ، وغيرِهم.

وأصحُّ الطُّرُقِ كُلِّها طريقُ حَنَشٍ الصَّنْعَانِيِّ التي خَرَّجَها الترْمِذِيُّ، كذا قالَهُ ابنُ مَنْدَهْ وغيرُهُ. وقدْ رُوِيَ عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّهُ وَصَّى ابنَ عبَّاسٍ بهذهِ الوَصِيَّةِ مِنْ حديثِ عَلِيِّ بنِ أَبِي طالِبٍ، وأَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وسَهْلِ بنِ سَعْدٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بنِ جَعْفَرٍ، وفي أَسَانِيدِهَا كُلِّها ضَعْفٌ.

وذَكَرَ العُقَيْلِيُّ أنَّ أسانِيدَ الحديثِ كُلَّها لَيِّنَةٌ، وبَعْضَها أَصْلَحُ مِنْ بعضٍ. وبكلِّ حالٍ، فطريقُ حَنَشٍ التي خَرَّجَها الترمذيُّ حَسَنَةٌ جَيِّدَةٌ.

وهذا الحديثُ يَتَضَمَّنُ وَصَايَا عَظِيمَةً وقواعِدَ كُلِّيَّةً مِنْ أهمِّ أُمُورِ الدينِ، حتَّى قالَ بعضُ العلماءِ: تَدَبَّرْتُ هذا الحديثَ فأَدْهَشَنِي وَكِدْتُ أَطِيشُ، فَوَاأَسَفَى مِن الجَهْلِ بهذا الحديثِ، وقِلَّةِ التَّفَهُّمِ لمعناهُ.

قُلْتُ: وقدْ أَفْرَدْتُ لِشَرْحِهِ جُزْءًا كبِيرًا، ونَحنُ نَذْكُرُ هَا هُنا مَقَاصِدَهُ على وَجْهِ الاختصارِ إنْ شاءَ اللَّهُ تعالَى.

فقولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( احْفَظِ اللَّهَ ) )، يَعْنِي: احْفَظْ حُدُودَهُ وحُقُوقَهُ، وأوامِرَهُ ونواهِيَهُ. وحِفْظُ ذلكَ: هوَ الوُقُوفُ عندَ أوامِرِهِ بالامْتِثَالِ، وعندَ نواهِيهِ بالاجْتِنَابِ، وعندَ حُدُودِهِ، فلا يُتَجَاوَزُ ما أمَرَ بِهِ وأَذِنَ فيهِ إلى ما نَهَى عنهُ، فمَنْ فَعَلَ ذلكَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت