الصفحة 162 من 391

وأمَّا الاسْتِعَانَةُ باللَّهِ عَزَّ وجلَّ دونَ غيرِهِ مِن الخَلْقِ؛ فَلِأَنَّ العَبْدَ عاجِزٌ عن الاسْتِقْلَالِ بِجَلْبِ مَصالِحِهِ، ودَفْعِ مَضَارِّهِ، ولا مُعِينَ لهُ علَى مَصَالِحِ دِينِهِ ودُنياهُ إِلَّا اللَّهُ عزَّ وجلَّ، فمَنْ أَعَانَهُ اللَّهُ فهوَ المُعَانُ، ومَنْ خَذَلَهُ فهوَ المَخْذُولُ، وهذا تَحْقِيقُ مَعْنَى قولِ: (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) ؛ فَإِنَّ المَعْنَى: لا تَحَوُّلَ للعَبْدِ مِنْ حالٍ إلى حالٍ، ولا قُوَّةَ لَهُ على ذلكَ إِلَّا باللَّهِ. وهذهِ كَلِمَةٌ عَظيمةٌ، وهيَ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الجنَّةِ، فالعَبْدُ مُحْتَاجٌ إلى الاسْتِعَانَةِ باللَّهِ فِي فِعْلِ المَأْمُوراتِ، وتَرْكِ المَحْظُوراتِ، والصَّبْرِ علَى المَقْدُورَاتِ كُلِّها فِي الدُّنيا وعندَ المَوْتِ وبعدَهُ مِنْ أَهْوالِ البَرْزَخِ ويومِ القِيَامَةِ، ولا يَقْدِرُ علَى الإعانَةِ علَى ذلكَ إِلَّا اللَّهُ عزَّ وجلَّ، فمَنْ حقَّقَ الاسْتِعَانَةَ عَلَيْهِ فِي ذلكَ كُلِّهِ أَعَانَهُ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ ) ).

ومَنْ تَرَكَ الاسْتِعَانَةَ باللَّهِ، واسْتَعَانَ بغيرِهِ، وَكَلَهُ اللَّهُ إلى مَن اسْتَعَانَ بهِ فصَارَ مَخْذُولًا. كَتَبَ الحَسَنُ إلَى عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ: لا تَسْتَعِنْ بغيرِ اللَّهِ، فَيَكِلَكَ اللَّهُ إليهِ. ومِنْ كَلَامِ بَعْضِ السَّلَفِ: يا رَبِّ، عَجِبْتُ لِمَنْ يَعْرِفُكَ كَيْفَ يَرْجُو غَيْرَكَ، عَجِبْتُ لِمَنْ يَعْرِفُكَ كيفَ يَسْتَعِينُ بغيرِكَ.

قولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ ) )، وفي رِوَايَةٍ أُخْرَى: (( رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ ) ). هوَ كِنايَةٌ عنْ تَقَدُّمِ كتابَةِ المَقَادِيرِ كُلِّها، والفَرَاغِ مِنها مِنْ أَمَدٍ بَعِيدٍ؛ فَإِنَّ الكِتَابَ إذا فُرِغَ مِنْ كِتَابَتِهِ، ورُفِعَت الأقْلَامُ عنهُ، وطالَ عَهْدُهُ، فَقَدْ رُفِعَتْ عنهُ الأَقْلَامُ، وجَفَّت الأَقْلَامُ الَّتِي كُتِبَ بِهَا مِنْ مِدَادِهَا، وجَفَّت الصَّحِيفَةُ التِي كُتِبَ فيها بالمِدَادِ المَكْتُوبِ بهِ فيها.

وهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الكِنَاياتِ وأبْلَغِهَا.

وَقَدْ دَلَّ الكِتَابُ والسُّنَنُ الصَّحِيحَةُ الكَثِيرةُ علَى مِثْلِ هذَا المَعْنَى، قالَ اللَّهُ تعالَى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحديد: 22] .

وفي (صَحِيحِ مُسْلِمٍ) : عَنْ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) ).

وفيهِ أيضًا: عنْ جابِرٍ، أنَّ رَجُلًا قَالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فِيمَ العَمَلُ اليَوْمَ؟ أَفِيمَا جَفَّتْ بِهِ الأَقْلامُ، وَجَرَتْ بِهِ المَقَادِيرُ، أَمْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ؟ قَالَ: (( لَا، بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ، وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ ) )، قالَ: فَفِيمَ العَمَلُ؟ قالَ: (( اعْمَلُوا؛ فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ) ).

وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ، وأَبُو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ، ثُمَّ قَالَ: اكْتُبْ. فَجَرَى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) ).

والأحاديثُ فِي هذا المعنَى كثيرةٌ جِدًّا يَطُولُ ذِكْرُها.

قولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( فَلَوْ أَنَّ الْخَلْقَ جَمِيعًا أَرَادُوا أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَقْضِهِ اللَّهُ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ ) ).

هذهِ رِوَايَةُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، ورِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ بِهَذَا المَعْنَى أيضًا، والمُرَادُ: أَنَّ ما يُصِيبُ العبدَ فِي دُنْيَاهُ مِمَّا يَضُرُّهُ أوْ يَنْفَعُهُ، فَكُلُّهُ مُقَدَّرٌ عليهِ، ولا يُصِيبُ العبدَ إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ فِي الكِتابِ السَّابِقِ، وَلَو اجْتَهَدَ علَى ذلكَ الخَلْقُ كلُّهم جَمِيعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت