الصفحة 163 من 391

وقدْ دَلَّ القُرْآنُ علَى مِثْلِ هَذَا فِي قولِهِ عزَّ وجلَّ: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} [التوبة: 51] ، وقولِهِ: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} [الحديد: 22] ، وقولِهِ: {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} [آل عِمْرَانَ: 154] .

وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةً، وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ ) ).

وخرَّجَ أَبُو دَاوُدَ وابنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْنَى ذلكَ أيضًا.

واعْلَمْ أنَّ مَدَارَ جَمِيعِ هذهِ الوَصِيَّةِ علَى هذا الأصْلِ، وما ذُكِرَ قَبْلَهُ وبعدَهُ فهوَ مُتَفَرِّعٌ عليهِ، وراجِعٌ إليهِ؛ فإنَّ العَبْدَ إذا عَلِمَ أنَّهُ لنْ يُصِيبَهُ إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لهُ مِنْ خَيْرٍ وشَرٍّ، ونَفْعٍ وضُرٍّ، وأنَّ اجْتِهَادَ الخَلْقِ كُلِّهِم علَى خِلَافِ المَقْدُورِ غيرُ مُفِيدٍ البَتَّةَ، عَلِمَ حِينَئذٍ أنَّ اللَّهَ وحْدَهُ هوَ الضَّارُّ النَّافِعُ، المُعْطِي المانِعُ، فأَوْجَبَ ذلكَ للعَبْدِ تَوْحِيدَ ربِّهِ عزَّ وجلَّ، وإِفْرَادَهُ بالطَّاعَةِ، وحِفْظَ حُدُودِهِ؛ فإنَّ المعَبْودَ إِنَّمَا يَقْصِدُ بعبادَتِهِ جَلْبَ المَنَافِعِ ودَفْعَ المَضَارِّ؛ ولِهَذَا ذَمَّ اللَّهُ مَنْ يَعْبُدُ مَنْ لَا يَنْفَعُ ولَا يَضُرُّ، وَلَا يُغْنِي عنْ عابِدِهِ شَيْئًا، فمَنْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ، ولا يُعْطِي ولا يَمْنَعُ غيرُ اللَّهِ، أوْجَبَ لهُ ذلكَ إفْرَادَهُ بالخَوْفِ والرَّجَاءِ والمَحَبَّةِ والسؤالِ والتَّضَرُّعِ والدُّعاءِ، وتَقْدِيمَ طاعَتِهِ علَى طَاعَةِ الخَلْقِ جَمِيعًا، وأَنْ يَتَّقِيَ سَخَطَهُ، وَلَو كَانَ فيهِ سَخَطُ الخَلْقِ جَمِيعًا، وإِفْرَادَهُ بالاسْتِعَانَةِ بهِ والسؤالِ لهُ وإخلاصِ الدُّعَاءِ لَهُ فِي حالِ الشدَّةِ وحالِ الرخاءِ، بِخِلَافِ مَا كَانَ المُشْرِكُونَ عَلَيْهِ مِنْ إِخْلَاصِ الدُّعَاءِ لَهُ عندَ الشَّدَائِدِ، ونِسْيَانِهِ فِي الرَّخَاءِ، ودُعَاءِ مَنْ يَرْجُونَ نَفْعَهُ مِنْ دُونِهِ، قَالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} [الزُّمَر: 38] .

قولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا ) )، يَعْنِي: أَنَّ مَا أَصَابَ العَبْدَ مِن المَصَائِبِ المُؤْلِمَةِ المَكْتُوبَةِ عَلَيْهِ إِذَا صَبَرَ عَلَيْهَا، كَانَ لَهُ فِي الصَّبْرِ خَيْرٌ كَثِيرٌ.

وفي رِوَايَةِ عُمَرَ مَوْلَى غُفْرَةَ وغَيْرِهِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ زِيَادَةٌ أُخْرَى قَبْلَ هَذَا الكَلَامِ، وهيَ: (( فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَعْمَلَ لِلَّهِ بِالرِّضَا فِي الْيَقِينِ فَافْعَلْ، وَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَإِنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا ) ).

وفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ -لَكِنَّ إِسْنَادَهَا ضَعِيفٌ- زِيَادَةٌ أُخْرَى بَعْدَ هذا، وهيَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ أَصْنَعُ بِاليَقِينِ؟ قَالَ: (( أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، فَإِذَا أَنْتَ أَحْكَمْتَ بَابَ الْيَقِينِ ) ). ومَعْنَى هَذَا أَنَّ حُصُولَ اليَقِينِ للقَلْبِ بالقَضَاءِ السَّابِقِ والتَّقْدِيرِ المَاضِي يُعِينُ العَبْدَ علَى أَنْ تَرْضَى نَفْسُهُ بِمَا أَصَابَهُ، فمَن اسْتَطَاعَ أَنْ يَعْمَلَ فِي اليَقِينِ بالقَضَاءِ والقَدَرِ علَى الرِّضَا بالمَقْدُورِ فلْيَفْعَلْ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِع الرِّضَا فَإِنَّ فِي الصَّبْرِ علَى المَكْرُوهِ خَيْرًا كَثِيرًا.

فهاتَانِ دَرَجَتَانِ للمُؤْمِنِ بالقَضَاءِ والقَدَرِ فِي المَصَائِبِ:

إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَرْضَى بذَلِكَ.

وهَذِهِ دَرَجَةٌ عَالِيَةٌ رَفِيعَةٌ جِدًّا، قَالَ اللَّهُ عزَّ وجَلَّ: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التَّغَابُن: 11] .

قَالَ عَلْقَمَةُ: هيَ المُصِيبَةُ تُصِيبُ الرَّجُلَ، فيَعْلَمُ أنَّها مِنْ عندِ اللَّهِ، فيُسَلِّمُ لَهَا ويَرْضَى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت