الصفحة 164 من 391

وخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ ) ). وكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: (( أَسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ ) ).

ومِمَّا يَدْعُو المُؤْمِنَ إِلَى الرِّضا بالقَضَاءِ تَحْقِيقُ إِيمَانِهِ بِمَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَا يَقْضِي اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ ) ).

وجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ أَنْ يُوصِيَهُ وَصِيَّةً جَامِعَةً مُوجَزةً، فَقَالَ: (( لَا تَتَّهِمِ اللَّهَ فِي قَضَائِهِ ) ).

قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: إِنَّ اللَّهَ إِذَا قَضَى قَضَاءً أَحَبَّ أَنْ يُرضَى بِهِ. وقَالَ ابنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ اللَّهَ بقِسْطِهِ وعَدْلِهِ جَعَلَ الرَّوْحَ والفَرَحَ فِي اليَقِينِ والرِّضَا، وجَعَلَ الْهَمَّ والحَزَنَ فِي الشَّكِّ والسَّخَطِ؛ فالرَّاضِي لَا يَتَمَنَّى غَيْرَ مَا هوَ عَلَيْهِ مِنْ شِدَّةٍ ورَخَاءٍ. كَذَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وابنِ مَسْعُودٍ وغَيْرِهِمَا. وقَالَ عُمَرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ: أَصْبَحْتُ ومَا لِي سُرُورٌ إِلَّا فِي مَوَاضِعِ القَضَاءِ والقَدَرِ.

فَمَنْ وَصَلَ إِلَى هَذِهِ الدَّرَجَةِ كَانَ عَيْشُهُ كُلُّهُ فِي نَعِيمٍ وسُرُورٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [النحل: 97] . قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: الحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ: هيَ الرِّضَا والقَنَاعَةُ. وقَالَ عَبْدُ الوَاحِدِ بنُ زَيْدٍ: الرِّضَا بَابُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ، وجَنَّةُ الدُّنْيَا، ومُسْتَرَاحُ العَابِدِينَ.

وأَهْلُ الرِّضَا تَارَةً يُلَاحِظُونَ حِكْمَةَ المُبْتَلِي وخِيَرَتَهُ لعَبْدِهِ فِي البَلَاءِ، وأنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِي قَضَائِهِ، وتَارَةً يُلَاحِظُونَ ثَوَابَ الرِّضا بالقَضَاءِ، فيُنْسِيهِم أَلَمَ المَقْضِيِّ بِهِ، وتَارَةً يُلَاحِظُونَ عَظَمَةَ المُبْتَلِي وجَلَالَهُ وكَمَالَهُ، فيَسْتَغْرِقُونَ فِي مُشَاهَدَةِ ذَلِكَ، حَتَّى لَا يَشْعُروا بالْأَلَمِ، وهَذَا يَصِلُ إِلَيْهِ خَوَاصُّ أَهْلِ المَعْرِفَةِ والمَحَبَّةِ، حَتَّى رُبَّمَا تَلَذَّذُوا بِمَا أَصَابَهُم لِمُلَاحَظَتِهِم صُدُورَهُ عنْ حَبِيبِهِم، كَمَا قَالَ بَعْضُهُم: أَوْجَدَهُم فِي عَذَابِهِ عُذُوبَةً. وسُئِلَ بَعْضُ التَّابِعِينَ عَنْ حَالِهِ فِي مَرَضِهِ، فَقَالَ: أَحَبُّهُ إليهِ أَحَبُّهُ إِلَيَّ. وسُئِلَ السُّرِّيُّ: هَلْ يَجِدُ المُحِبُّ أَلَمَ البَلَاءِ؟ فَقَالَ: لَا. وقَالَ بَعْضُهُم:

عَذَابُهُ فِيكَ عَذْبُ * وبُعْدُهُ فيكَ قُرْبُ

وأَنْتَ عِندِي كَرُوحِي * بَلْ أَنْتَ مِنْهَا أَحَبُّ

حَسْبِي مِن الْحُبِّ أنِّي * لِمَا تُحِبُّ أُحِبُّ

والدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَصْبِرَ علَى البَلَاءِ، وهَذِهِ لِمَنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الرِّضَا بالقَضَاءِ، فالرِّضَا فَضْلٌ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ مُسْتَحَبٌّ، والصَّبْرُ واجِبٌ علَى المُؤْمِنِ حَتْمٌ، وفِي الصَّبْرِ خَيْرٌ كَثِيرٌ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِهِ، ووَعَدَ عَلَيْهِ جَزِيلَ الْأَجْرِ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: {إِنَّمَا يُوفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزُّمَر: 10] ، وقَالَ: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155 - 157] . قَالَ الحَسَنُ: الرِّضَا عَزِيزٌ، ولَكِنَّ الصَبْرَ مُعَوَّلُ المُؤْمِنِ.

والفَرْقُ بَيْنَ الرِّضَا والصَّبْرِ: أَنَّ الصَّبْرَ كَفُّ النَّفْسِ وحَبْسُهَا عن التَّسَخُّطِ مَعَ وُجُودِ الْأَلَمِ وتَمَنِّي زَوَالِ ذَلِكَ، وكَفُّ الجَوَارِحِ عن العَمَلِ بِمُقْتَضَى الجَزَعِ. والرِّضَا: انْشِرَاحُ الصَّدْرِ وَسَعَتُهُ بالقَضَاءِ، وتَرْكُ تَمَنِّي زَوَالِ ذَلِكَ المُؤْلِمِ وإِنْ وُجِدَ الْإِحْسَاسُ بالْأَلَمِ، لَكِنَّ الرِّضَا يُخَفِّفُهُ لِمَا يُبَاشِرُ القَلْبَ مِنْ رُوحِ اليَقِينِ والمَعْرِفَةِ، وإِذَا قَوِيَ الرِّضَا فَقَدْ يُزِيلُ الْإِحْسَاسَ بالْأَلَمِ بالكُلِّيَّةِ كَمَا سَبَقَ.

قولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ ) ). هذا مُوَافِقٌ لقَوْلِ اللَّهِ عزَّ وجَلَّ: {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249] ، وقولِهِ تَعَالَى: فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت