فهرس الكتاب
صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال: 66] . وقَالَ عُمَرُ لِأَشْيَاخٍ مِنْ بَنِي عَبْسٍ: بِمَ قَاتَلْتُم النَّاسَ؟ قَالُوا: بالصَّبْرِ، لَمْ نَلْقَ قَوْمًا إِلَّا صَبَرْنَا لَهُم كَمَا صَبَرُوا لَنَا. وقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: كُلُّنَا يَكْرَهُ المَوْتَ وأَلَمَ الجِرَاحِ، ولَكِنْ نَتَفَاضَلُ بالصَّبْرِ. وقَالَ البَطَّالُ: الشَّجَاعَةُ صَبْرُ سَاعَةٍ.
وهَذَا فِي جِهَادِ العَدُوِّ الظَّاهِرِ، وهوَ جِهَادُ الكُفَّارِ، وكذَلِكَ جِهَادُ العَدُوِّ البَاطِنِ، وهوَ جِهَادُ النَّفْسِ والْهَوَى؛ فَإِنَّ جِهَادَهُما مِنْ أَعْظَمِ الجِهَادِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( الْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي اللَّهِ ) ).
وقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ لِمَنْ سَأَلَهُ عَن الجِهَادِ: ابْدَأْ بنَفْسِكَ فجَاهِدْهَا، وابْدَأْ بنَفْسِكَ فاغْزُهَا.
وقَالَ بَقِيَّةُ بنُ الوَلِيدِ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بنُ أَدْهَمَ، حَدَّثَنَا الثِّقَةُ، عنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: أَوَّلُ مَا تُنْكِرُونَ مِنْ جِهَادِكُم جِهَادُكُم أَنْفُسَكُمْ.
وقَالَ إِبْرَاهِيمُ بنُ أَبِي عَبْلَةَ لقَوْمٍ جَاءُوا مِن الغَزْوِ: قَدْ جِئْتُم مِن الجِهَادِ الْأَصْغَرِ، فَمَا فَعَلْتُم فِي الجِهَادِ الْأَكْبَرِ؟ قَالُوا: ومَا الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ؟ قَالَ: جِهَادُ القَلْبِ. ويُرْوَى هَذَا مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، ولَفْظُهُ: (( قَدِمْتُمْ مِنَ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ ) )، قَالُوا: وَمَا الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ؟ قَالَ: (( مُجَاهَدَةُ الْعَبْدِ لِهَوَاهُ ) ).
ويُرْوَى مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بنِ سِنَانٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَيْسَ عَدُوُّكَ الَّذِي إِذَا قَتَلَكَ أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ، وَإِذَا قَتَلْتَهُ كَانَ لَكَ نُورًا، أَعْدَى عَدُوِّكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ ) ).
وقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فِي وَصِيَّتِهِ لعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما حِينَ اسْتَخْلَفَهُ: إِنَّ أَوَّلَ مَا أُحذِّرُكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ.
فهَذَا الجِهَادُ يَحْتَاجُ أَيْضًا إَلَى صَبْرٍ، فمَنْ صَبَرَ عَلَى مُجَاهَدَةِ نَفْسِهِ وهَوَاهُ وشَيْطَانِهِ، غَلَبَهُ وحَصَلَ لَهُ النَّصْرُ والظَّفْرُ، ومَلَكَ نَفْسَهُ، فَصَارَ عَزِيزًا مَلِكًا. ومَنْ جَزِعَ ولَمْ يَصْبِرْ عَلَى مُجَاهَدَةِ ذَلِكَ، غُلِبَ وقُهِرَ وأُسِرَ، وصَارَ عَبْدًا ذَلِيلًا أَسِيرًا فِي يَدَيْ شَيْطَانِهِ وهَوَاهُ، كَمَا قِيلَ:
إِذَا المَرْءُ لَمْ يَغلِبْ هَوَاهُ أَقَامَهُ * بِمَنْزِلَةٍ فِيهَا العَزِيزُ ذَلِيلُ
قَالَ ابنُ المُبَارَكِ: مَنْ صَبَرَ فَمَا أَقَلَّ مَا يَصْبِرُ، ومَنْ جَزِعَ فَمَا أَقَلَّ مَا يَتَمَتَّعُ.
فقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ ) )، يَشْمَلُ النَّصْرَ فِي الجِهَادَيْنِ: جِهَادِ العَدُوِّ الظَّاهِرِ، وجِهَادِ العَدُوِّ البَاطِنِ، فَمَنْ صَبَرَ فِيهِمَا نُصِرَ وظَفِرَ بعَدُوِّهِ، ومَنْ لَمْ يَصْبِرْ فِيهِمَا وجَزِعَ قُهِرَ وصَارَ أَسِيرًا لِعَدُوِّهِ أوْ قَتِيلًا لَهُ.
قَولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ ) )، هَذَا يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ} [الشورى: 28] ، وقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( ضَحِكَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ وَقُرْبِ غِيَرِهِ ) ). خَرَّجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وخَرَّجَهُ ابنُهُ عبدُ اللَّهِ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ، وفِيهِ: (( عَلِمَ اللَّهُ يَوْمَ الْغَيْثِ إِنَّهُ لَيُشْرِفُ عَلَيْكُمْ أَزِلِينَ قَنِطِينَ، فَيَظَلُّ يَضْحَكُ، قَدْ عَلِمَ أَنَّ غِيَرَكُمْ إِلَى قُرْبٍ ) ). والمَعْنَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَعْجَبُ مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ عِنْدَ احْتِبَاسِ القَطْرِ عَنْهُم وقُنُوطِهِم ويَأْسِهِم مِن الرَّحْمَةِ، وَقَد اقْتَرَبَ وَقْتُ فَرَجِهِ ورَحْمَتِهِ لعِبَادِهِ، بإِنْزَالِ الغَيْثِ عَلَيْهِم، وتَغْيِيرِهِ لحَالِهِم وَهُم لَا يَشْعُرُونَ. وَقَالَ تَعَالَى: {فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ} [الرُّوم: 48، 49] ، وَقَالَ تَعَالَى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا} [يوسف: 110] ، وقَالَ: حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ