الصفحة 166 من 391

آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَريبٌ [البقرة: 214] ، وقَالَ حَاكِيًا عنْ يَعْقُوبَ، أَنَّهُ قَالَ لِبَنِيهِ: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ} [يوسف: 87] ، ثُمَّ قَصَّ قِصَّةَ اجْتِمَاعِهِمْ عَقِيبَ ذَلِكَ.

وَكَمْ قَصَّ سُبْحَانَهُ مِنْ قَصَصِ تَفْرِيجِ كُرُبَاتِ أَنْبِيَائِهِ عِندَ تَنَاهِي الكَرْبِ؛ كَإِنْجَاءِ نُوحٍ ومَنْ مَعَهُ فِي الفُلْكِ، وإِنْجَاءِ إِبْرَاهِيمَ مِن النَّارِ، وفِدَائِهِ لوَلَدِهِ الَّذِي أُمِرَ بذَبْحِهِ، وإِنْجَاءِ مُوسَى وَقَوْمِهِ مِن اليَمِّ، وإِغْرَاقِ عَدُوِّهِم، وقِصَّةِ أَيُّوبَ ويُونُسَ، وقَصَصِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَعْدَائِهِ، وإِنْجَائِهِ مِنْهُم؛ كقِصَّتِهِ فِي الغَارِ، ويَوْمِ بَدْرٍ، ويَوْمِ أُحُدٍ، ويَوْمِ الْأَحْزَابِ، ويَوْمِ حُنَيْنٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ) ). هوَ مُنْتَزَعٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [الطلاق: 7] ، وقَوْلِهِ عزَّ وجلَّ: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 5، 6] .

وخَرَّجَ البَزَّارُ فِي (مُسْنَدِهِ) ، وابنُ أَبِي حَاتِمٍ -واللَّفْظُ لَهُ- مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَوْ جَاءَ الْعُسْرُ فَدَخَلَ هَذَا الْجُحْرَ، لَجَاءَ الْيُسْرُ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ فَيُخْرِجَهُ ) )، فأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} .

ورَوَى ابنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ الحَسَنِ مُرْسَلًا نَحْوَهُ، وفِي حَدِيثِهِ: فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ ) ).

ورَوَى ابنُ أَبِي الدُّنْيَا بإِسْنَادِهِ، عَن ابنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَوْ أَنَّ العُسْرَ دَخَلَ فِي جُحْرٍ لَجَاءَ اليُسْرُ حَتَّى يَدْخُلَ مَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} . وبإِسْنَادِهِ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ حُصِرَ، فكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ يَقُولُ: مَهْمَا يَنْزِلْ بامْرِئٍ شِدَّةٌ يَجْعَل اللَّهُ بَعْدَهَا فَرَجًا، وإِنَّهُ لَنْ يَغلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ، وإِنَّهُ يَقُولُ: {اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمرانَ: 200] .

ومِنْ لَطَائِفِ أَسْرَارِ اقْتِرَانِ الفَرَجِ بالكَرْبِ واليُسْرِ بالعُسْرِ: أَنَّ الكَرْبَ إِذَا اشْتَدَّ وعَظُمَ وتَنَاهَى، حَصَلَ للعَبْدِ الْإِيَاسُ مِنْ كَشْفِهِ مِنْ جِهَةِ المَخْلُوقِينَ، وتَعَلَّقَ قَلْبُهُ باللَّهِ وَحْدَهُ، وهَذَا هوَ حَقِيقَةُ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ، وهوَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ الَّتِي تُطْلَبُ بِهَا الحَوَائِجُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَكْفِي مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3] .

ورَوَى آدَمُ بنُ أَبِي إِيَاسٍ فِي تَفْسِيرِهِ بإِسْنَادِهِ، عَن مُحَمَّدِ بنِ إِسْحَاقَ قَالَ: جَاءَ مَالِكٌ الْأَشْجَعِيُّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أُسِرَ ابْنِي عَوْفٌ، فَقَالَ لَهُ: (( أَرْسِلْ إِلَيْهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ) ).

فَأَتَاهُ الرَّسُولُ فَأَخْبَرَهُ، فَأَكَبَّ عَوْفٌ يَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قوَّةَ إِلَّا باللَّهِ. وَكَانُوا قَدْ شَدُّوهُ بِالقِدِّ، فَسَقَطَ القِدُّ عَنْهُ، فَخَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِنَاقَةٍ لَهُمْ فَرَكِبَها، فَأَقْبَلَ فَإِذَا هُوَ بِسَرْحِ القَوْمِ الَّذِينَ كَانُوا شَدُّوهُ، فَصَاحَ بِهِمْ، فَاتَّبَعَ آخِرُها أَوَّلَهَا، فَلَمْ يَفْجَأْ أَبَوَيْهِ إِلَّا وَهُوَ يُنادِي بِالبابِ، فَقالَ أَبُوهُ: عَوْفٌ وَرَبِّ الكَعْبَةِ، فَقَالَتْ أُمُّهُ: وَاسَوْأَتَاهُ. وَعَوْفٌ كَئِيبٌ يَأْلَمُ مَا هُوَ فِيهِ مِن القِدِّ، فَاسْتَبَقَ الْأَبُ والخَادِمُ إِلَيْهِ، فَإِذَا عَوْفٌ قَدْ مَلَأَ الفِنَاءَ إِبِلًا. فَقَصَّ عَلَى أَبِيهِ أَمْرَهُ وَأَمْرَ الْإِبِلِ، فَأَتَى أَبُوهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرَهُ بِخَبَرِ عَوْفٍ وَخَبَرِ الْإِبِلِ، فَقَالَ لَهُ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( اصْنَعْ بِهَا مَا أَحْبَبْتَ، وَمَا كُنْتَ صَانِعًا بِإِبِلِكَ ) )، ونَزَلَ: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 2 - 3] الآيَةَ.

قَالَ الفُضَيْلُ: واللَّهِ لَوْ يَئِسْتَ مِن الخَلْقِ حَتَّى لَا تُرِيدَ مِنْهُم شَيْئًا، لَأَعْطَاكَ مَوْلَاكَ كُلَّ مَا تُرِيدُ. وذَكَرَ إِبْرَاهِيمُ بنُ أَدْهَمَ عَن بَعْضِهِم قَالَ: مَا سَأَلَ السَّائِلُونَ مَسْأَلَةً هيَ أَلْحَفُ مِنْ أَنْ يَقُولَ العَبْدُ: مَا شَاءَ اللَّهُ. قَالَ: يَعْنِي بذَلِكَ التَّفْوِيضَ إِلَى اللَّهِ عزَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت