فهرس الكتاب
وَجَلَّ. وَقَالَ سَعِيدُ بنُ سَالِمٍ القَدَّاحُ: بَلَغَنِي أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَتْ لَهُ إِلَى اللَّهِ حَاجَةٌ، فطَلَبَهَا، فأَبْطَأَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ. فَإِذَا حَاجَتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعَجِبَ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ قَوْلَكَ: مَا شَاءَ اللَّهُ، أَنْجَحُ مَا طُلِبَتْ بِهِ الحَوَائِجُ.
وأَيْضًا، فَإِنَّ المُؤْمِنَ إِذَا اسْتَبْطَأَ الفَرَجَ، وأَيِسَ مِنْهُ بَعْدَ كَثْرَةِ دُعَائِهِ وتَضَرُّعِهِ، وَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ أَثَرُ الْإِجَابَةِ، يَرْجِعُ إِلَى نَفْسِهِ باللَّائِمَةِ، وقَالَ لَهَا: إِنَّمَا أُتِيتُ مِنْ قِبَلِكَ، وَلَوْ كَانَ فِيكِ خَيْرٌ لَأُجِبْتِ. وهَذَا اللَّوْمُ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ كَثِيرٍ مِن الطَّاعَاتِ؛ فَإِنَّهُ يُوجِبُ انْكِسَارَ العَبْدِ لمَوْلَاهُ، واعْتِرَافَهُ لَهُ بأَنَّهُ أَهْلٌ لِمَا نَزَلَ بِهِ مِن البَلَاءِ، وأَنَّهُ لَيْسَ بأَهْلٍ لِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ؛ فَلِذَلِكَ تُسْرِعُ إِلَيْهِ حِينَئذٍ إِجَابَةُ الدُّعَاءِ وتَفْرِيجُ الكَرْبِ؛ فَإِنَّهُ تَعَالَى عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُم مِنْ أَجْلِهِ.
قَالَ وَهْبٌ: تَعَبَّدَ رَجُلٌ زَمَانًا، ثُمَّ بَدَتْ لَهُ إِلَى اللَّهِ حَاجَةٌ، فَصَامَ سَبْعِينَ سَبْتًا، يَأْكُلُ فِي كُلِّ سَبْتٍ إِحْدَى عَشْرَةَ تَمْرَةً، ثُمَّ سَأَلَ اللَّهَ حَاجَتَهُ فَلَمْ يُعْطَهَا، فَرَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ فَقَالَ: مِنْكِ أُتِيتُ، لَوْ كَانَ فِيكِ خَيْرٌ أُعْطِيتِ حَاجَتَكِ. فَنَزَلَ إِلَيْهِ عندَ ذَلِكَ مَلَكٌ فَقَالَ: يَا ابْنَ آدَمَ، سَاعَتُكَ هَذِهِ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَتِكَ الَّتِي مَضَتْ، وَقَدْ قَضَى اللَّهُ حَاجَتَكَ. خَرَّجَهُ ابنُ أَبِي الدُّنْيَا.
ولِبَعْضِ المُتَقَدِّمِينَ فِي هَذَا المَعْنَى:
عَسَى مَا تَرَى أَنْ لَا يَدُومَ وَأَنْ تَرَى * لَهُ فَرَجًا مِمَّا أَلَحَّ بِهِ الدَّهْرُ
عَسَى فَرَجٌ يَأْتِي بِهِ اللَّهُ إِنَّهُ * لَهُ كُلَّ يَوْمٍ فِي خَلِيقَتِهِ أَمْرُ
إِذَا لَاحَ عُسْرٌ فَارْجُ يُسْرًا فَإِنَّهُ * قَضَى اللَّهُ أَنَّ العُسْرَ يَتْبَعُهُ اليُسْرُ
الحديثُ العِشرونَ
عَنْ أبي مَسعودٍ البَدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلاَمِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ ) )رَواهُ البُخاريُّ (1) .
(1) هذا الحديثُ خَرَّجَهُ البُخاريُّ مِن رِوَايةِ مَنصورِ بنِ الْمُعْتَمِرِ، عن رِبْعيِّ بنِ حِراشٍ، عن أبي مسعودٍ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأَظُنُّ أنَّ مُسْلِمًا لم يُخَرِّجْه؛ لأنَّه قد رواه قومٌ، فقالُوا: عن رِبْعِيٍّ، عن حُذيفةَ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاختُلِفَ في إسنادِه، لكنَّ أكثرَ الْحُفَّاظِ حَكَمُوا بأنَّ القولَ قولُ مَن قالَ: عن أبي مَسعودٍ، منهم البخاريُّ، وأبو زُرعةَ الرَّازيُّ، والدَّارقُطنيُّ وغيرُهم، ويَدُلُّ على صِحَّةِ ذلك أنه قد رُويَ مِن وجهٍ آخَرَ عن أبي مسعودٍ مِن روايةِ مَسروقٍ عنه.
وخَرَّجَه الطَّبرانيُّ مِن حديثِ أبي الطُّفيلِ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أيضًا.
فقولُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلاَمِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى ) )يُشيرُ إلى أنَّ هذا مأثورٌ عن الأنبياءِ المتقدِّمينَ، وأنَّ النَّاسَ تَدَاوَلُوه بينَهم، وتَوارَثُوه عنهم قَرنًا بعدَ قَرنٍ، وهذا يَدُلُّ على أنَّ النُّبُوَّاتِ المتقدِّمةَ جاءتْ بهذا الكلامِ، وأنه