الصفحة 168 من 391

اشْتَهَرَ بَيْنَ النَّاسِ حتى وَصَلَ إلى أوَّلِ هذه الأمَّةِ. وفي بعضِ الرِّواياتِ قالَ: (( لَمْ يُدْرِكِ النَّاسُ مِنْ كَلاَمِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى إِلَّا هَذَا ) ). خَرَّجَها حُمَيْدُ بنُ زنجوَيْهِ وغيرُه.

وقولُه: (( إِذَا لَمْ تَسْتَحِ، فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ ) )، في معناه قوْلانِ:

أحدُهما: أنه ليس بمعنى الأمرِ أن يَصنعَ ما شاءَ، ولكنَّه على معنى الذمِّ والنَّهيِ عنه،

وأهلُ هذه الْمَقالَةِ لهم طريقانِ:

أحدُهما: أنه أمرٌ بمعنى التَّهديدِ والوَعيدِ، والمعنى: إذا لم يكنْ لك حياءٌ، فاعمَلْ ما شئتَ؛ فإنَّ اللَّهَ يُجازيكَ عليه، كقولِه: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [فصلت: 40] ، وقولِه: {فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ} [الزمر:15] ، وقولِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ بَاعَ الْخَمْرَ، فَلْيُشَقِّصِ الْخَنَازِيرَ ) )يعني: ليُقَطِّعْها إمَّا لبيعِها أو لأكْلِها، وأَمثلتُه مُتعدِّدةٌ، وهذا اختيارُ جماعةٍ منهم أبو العبَّاسِ ثعلبٌ.

والطَّريقُ الثَّاني: أنه أَمْرٌ، ومعناه: الخبرُ، والمعنى: أنَّ مَن لم يَسْتَحِ، صنَعَ ما شاءَ، فإنَّ المانعَ مِن فعلِ القبائحِ هو الحياءُ، فمَن لم يكنْ له حياءٌ، انْهَمَك في كلِّ فَحشاءَ ومُنكَرٍ، وما يَمتنعُ مِن مِثلِه مَن له حياءٌ على حَدِّ قولِه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ) )، فإنَّ لفظَه لفظُ الأمرِ، ومعناه الخبرُ، وأنَّ مَن كَذَبَ عليه تَبَوَّأَ مَقعدَه مِن النَّارِ، وهذا اختيارُ أبي عُبيدٍ القاسمِ بنِ سلامٍ رَحِمَه اللَّهُ، وابنِ قُتيبةَ، ومحمَّدِ بنِ نصرٍ الْمَروزيِّ وغيرِهم، وروى أبو داوُدَ عن الإمامِ أحمدَ ما يَدُلُّ على مِثلِ هذا القولِ.

وروى ابنُ لَهِيعَةَ، عن أبي قَبيلٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالَ: (( إِذَا أَبْغَضَ اللَّهُ عَبْدًا، نَزَعَ مِنْهُ الْحَيَاءَ، فَإِذَا نَزَعَ مِنْهُ الْحَيَاءَ، لَمْ تَلْقَهُ إِلَّا بَغِيضًا مُتَبَغِّضًا، وَنَزَعَ مِنْهُ الْأَمَانَةَ، فَإِذَا نَزَعَ مِنْهُ الْأَمَانَةَ، نَزَعَ مِنْهُ الرَّحْمَةَ، فَإِذَا نَزَعَ مِنْهُ الرَّحْمَةَ، نَزَعَ مِنْهُ رِبْقَةَ الْإِسْلاَمِ، فَإِذَا نَزَعَ مِنْهُ رِبْقَةَ الْإِسْلاَمِ، لَمْ تَلْقَهُ إِلَّا شَيْطانًا مَرِيدًا ) ). خَرَّجَه حُمَيْدُ بنُ زِنجويهِ، وخَرَّجَه ابنُ مَاجَه بمعناه بإسنادٍ ضعيفٍ عن ابنِ عمرَ مَرفوعًا أيضًا.

وعن سَلمانَ الفارسيِّ، قالَ: إنَّ اللَّهَ إذا أرادَ بعبدٍ هَلاكًا نَزَعَ منه الحياءُ، فإذا نَزَعَ منه الحياءَ، لم تَلْقَه إلَّا مَقيتًا مُمَقَّتًا، فإذا كان مَقيتًا مُمَقَّتًا، نَزَعَ منه الأمانةَ، فلم تَلْقَه إلا خائنًا مُخَوَّنًا، فإذا كان خائنًا مُخَوَّنًا، نَزَعَ منه الرَّحمةَ، فلم تَلْقَهُ إلا فَظًّا غَليظًا، فإذا كان فَظًّا غليظًا نَزَعَ رِبْقَ الإيمانِ مِن عُنُقِه، فإذا نَزَعَ رِبْقَ الإيمانِ مِن عُنقِه لم تَلْقَه إلا شيطانًا لَعِينًا مُلَعَّنًا.

وعن ابنِ عبَّاسٍ قالَ: الحياءُ والإيمانُ في قَرَنٍ، فإذا نُزِعَ الحياءُ تَبِعَه الآخَرُ. خَرَّجَه كلُّه حُميدُ بنُ زنجوَيْهِ في كتابِ (الأدبِ) .

وقد جَعلَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحياءَ مِنَ الإيمانِ كما في (الصَّحِيحَيْنِ) عن ابنِ عمرَ، أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ وَهُو يُعاتِبُ أخاه في الحياءِ يقولُ: إِنَّكَ لَتَسْتَحِي، كَأنَّه يَقولُ: قَدْ أَضَرَّ بِكَ، فَقالَ رسولُ اللَّه، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( دَعْهُ؛ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ ) ).

وفي (الصَّحِيحَيْنِ) عن أبي هُريرةَ قالَ: (( الْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ ) ).

وفي (الصَّحِيحَيْنِ) عن عِمرانَ بنِ حُصينٍ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( الْحَيَاءُ لاَ يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ ) )وفي روايةٍ لمسلِمٍ، قالَ: (( الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ ) )، أو قالَ: (( الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ ) ).

وخَرَّجَ الإمامُ أحمدُ والنَّسائيُّ مِن حديثِ الأشجِّ العصريِّ، قالَ: قالَ لي رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ فِيكَ لَخُلُقَيْن يُحِبُّهُمُا اللَّهُ ) )، قلتُ: ما هما؟ قالَ: (( الْحِلْمُ وَالْحَيَاءُ ) )، قلتُ: أَقَدِيمًا كَانَ أو حديثًا؟ قالَ: (( بَلْ قَدِيمًا ) )، قلتُ: الحمدُ للهِ الذي جَعَلَنِي على خُلُقينِ يُحبُّهُما اللَّهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت