فهرس الكتاب
وقالَ إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ: دَخَلَ عُيَيْنَةُ بنُ حِصْنٍ على النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعندَه رجلٌ فاسْتَسْقَى، فأُتِيَ بماءٍ فشَرِبَ، فسَتَرَهُ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقالَ: ما هذا؟ قالَ: (( الْحَيَاءُ خَلَّةٌ أُوتُوهَا وَمُنِعْتُمُوهَا ) ).
واعْلَمْ أنَّ الحياءَ نوعانِ:
أحدُهما: ما كان خَلْقًا وجِبِلَّةً غيرَ مُكتَسَبٍ، وهو مِن أَجَلِّ الأخلاقِ التي يَمنَحُهَا اللَّهُ العبدَ ويَجْبُلُه عليها، وَلهذا قالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( الْحَيَاءُ لاَ يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ ) )، فإنَّه يَكُفُّ عن ارتكابِ القباَئحِ ودَناءةِ الأخلاقِ، ويَحُثُّ على استعمالِ مَكارِمِ الأخلاقِ ومَعالِيها، فهو مِنْ خِصالِ الإيمانِ بهذا الاعتبارِ، وقد رُوِيَ عن عمرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنه قالَ: مَن اسْتَحْيَى اخْتَفَى، ومَن اخْتَفَى اتَّقَى، ومَن اتَّقَى وُقِيَ.
وقالَ الجَرَّاحُ بنُ عبدِ اللَّهِ الحكميُّ -وكان فارسَ أهلِ الشامِ-: تركتُ الذُّنوبَ حَياءً أربعين سنةً، ثم أَدْرَكَنِيَ الوَرَعُ. وعن بعضِهم قالَ: رأيتُ المعاصيَ نَذالةً، فتَرَكْتُها مُروءَةً، فاستحالَتْ دِيانةً.
والثَّاني: ما كان مُكْتَسَبًا مِن معرِفةِ اللَّهِ، ومَعرِفةِ عَظمتِه وقُرْبِه مِن عِبادِه، واطِّلاعِه عليهم، وعِلْمِه بخَائنةِ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدورُ، فهذا مِن أعلى خِصالِ الإيمانِ، بل هو مِنْ أعلى دَرجاتِ الإحسانِ، وقد تَقدَّمَ أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ لِرجلٍ: (( اسْتَحِ مِنَ اللَّهِ كَمَا تَسْتَحِي رَجُلًا مِنْ صَالِحِ عَشِيرَتِكَ ) ).
وفي حديثِ ابنِ مسعودٍ: (( الِاسْتِحْيَاءُ مِنَ اللَّهِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَأَنْ تَذْكُرَ الْمَوْتَ وَالْبِلَى؛ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيَى مِنَ اللَّهِ ) )خَرَّجَه الإمامُ أحمدُ والتِّرمذيُّ مَرفوعًا.
وقد يَتولَّدُ مِن اللَّهِ الحياءُ مِن مُطالَعَةِ نِعَمِه ورؤيةِ التَّقصيرِ في شُكْرِها، فإذا سُلِبَ العبدُ الحياءَ المكتَسَبَ والغريزيَّ، لم يَبْقَ له ما يَمنَعُهُ مِن ارتكابِ القبيحِ، والأخلاقِ الدَّنيئةِ، فصارَ كأنه لا إيمانَ له. وقد روي مِن مَراسيلِ الحسَنِ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( الْحَيَاءُ حَيَاءَانِ: طَرَفٌ مِنَ الْإِيمَانِ، وَالْآخَرُ عَجْزٌ ) )ولعلَّه مِن كلامِ الحسَنِ، وكذلك قالَ بَشِيرُ بنُ كعبٍ العَدَويُّ لِعمرانَ بنِ حُصينٍ: إنا نَجِدُ في بعضِ الكُتُبِ أنَّ منه سَكينةً ووَقَارًا للهِ، ومنه ضَعْفٌ، فغَضِبَ عِمرانُ، وقالَ: أُحَدِّثُكَ عن رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتُعارِضُ فيه؟
والأمرُ كما قالَه عِمرانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ فإنَّ الحياءَ الممدوحَ في كلامِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنما يُريدُ به الخُلُقَ الذي يَحُثُّ على فعلِ الجميلِ، وتَرْكِ القبيحِ، فأمَّا الضَّعفُ والعجْزُ الذي يُوجِبُ التَّقصيرَ في شيءٍ مِن حقوقِ اللَّهِ أو حقوقِ عِبادِه، فليس هو مِن الحياءِ، إنما هو ضعفٌ وخَوَرٌ، وعَجْزٌ ومَهانةٌ، واللَّهُ أَعلمُ.
والقولُ الثَّاني في معنى قولِه: (( إِذَا لَمْ تَسْتَحِ، فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ ) ). أنَّه أمَرَ بفعلِ ما يَشاءُ على ظاهرِ لفظِه، وأنَّ المعنى: إذا كان الذي تريدُ فِعلَه مما لا يُستَحْيَى مِن فعلِه، لا مِن اللَّهِ ولا مِن النَّاسِ، لكونِه مِن أفعالِ الطَّاعاتِ، أو مِن جميلِ الأخلاقِ والآدابِ المستحْسَنَةِ، فاصْنَعْ منه حينئذٍ ما شِئْتَ، وهذا قولُ جماعةٍ مِن الأئمَّةِ، منهم أبو إسحاقَ الْمَرْوَزيُّ الشَّافعيُّ، وحُكِيَ مِثلُه عن الإمامِ أحمدَ، ووَقَعَ كذلك في بعضِ نُسَخِ (مَسائلِ أبي داوُدَ) المختصَرَةِ عنه، ولكنَّ الذي في النُّسَخِ المعتمَدَةِ التَّامَّةِ كما حَكَيْناهُ عنه مِن قَبلُ، وكذلك حكاه عنه الْخَلَّالُ في كتابِ (الأدبِ) ومِن هذا قولُ بعضِ السَّلَفِ -وقد سُئلَ عن الْمُروءةِ- فقالَ: أن لا