فهرس الكتاب
تَعملَ في السِّرِّ شَيْئًا تَستحْيِي منه في العلانِيَةِ، وسيأتِي قولُ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( الْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ ) )في مَوضعِه مِن هذا الكتابِ إن شاءَ اللَّهُ تعالى.
وروى عبدُ الرَّزَّاقِ في كتابِه، عن مَعْمَرٍ، عن أبي إسحاقَ، عن رجلٍ مِن مُزَيْنَةَ، قالَ: قيلَ: يا رَسولَ اللَّهِ، مَا أَفْضَلُ ما أُوتِيَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ؟ قالَ: (( الْخُلُقُ الْحَسَنُ ) )، قالَ: فَمَا شَرُّ مَا أُوتِي المُسْلِمُ؟ قالَ: (( إِذَا كَرِهْتَ أَنْ يُرَى عَلَيْكَ شَيْءٌ فِي نَادِي الْقَوْمِ، فَلاَ تَفْعَلْهُ إِذَا خَلَوْتَ ) ).
وفي (صحيحِ ابنِ حِبَّانَ) عن أسامةَ بنِ شَريكٍ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَا كَرِهَ اللَّهُ مِنْكَ شَيْئًا، فَلاَ تَفْعَلْهُ إِذَا خَلَوْتَ ) ).
وخرَّج الطَّبرانيُّ مِن حديثِ أبي مالكٍ الأشعريِّ قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، ما تمامُ الْبِرِّ؟ قالَ: (( أَنْ تَعْمَلَ فِي السِّرِّ عَمَلَ الْعَلاَنِيَةِ ) ).
وخَرَّجَه أيضًا مِن حديثِ أبي عامرٍ السَّكونيِّ، قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، فذَكَرَه.
وروى عبدُ الغنيِّ بنُ سعيدٍ الحافظُ في كتابِ (أَدَبِ الْمُحَدِّثِ) بإسنادِه عن حَرملةَ بنِ عبدِ اللَّهِ، قالَ: أَتَيْتُ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَزْدادَ مِنَ العِلْمِ، فَقُمْتُ بَينَ يَدَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسولَ اللَّهِ، مَا تَأْمُرُني أَنْ أَعْمَلَ بِهِ؟ قالَ: (( ائْتِ الْمَعْرُوفَ، وَاجْتَنِبِ الْمُنْكَرَ، وَانْظُرْ الَّذِي سَمِعَتْهُ أُذُنُكَ مِنَ الْخَيْرِ يَقُولُهُ الْقَوْمُ لَكَ إِذَا قُمْتَ مِنْ عِنْدِهِم فَأْتِهِ، وَانْظُرِ الَّذِي تَكْرَهُ أَنْ يَقولَهُ الْقَوْمُ لَكَ إِذَا قُمْتَ مِنْ عِنْدِهِمْ، فَاجْتَنِبْهُ ) )قالَ: فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُمَا أَمْرانِ لَمْ يَتْرُكا شَيئًا: إِتْيَانُ الْمَعْروفِ، وَاجْتِنَابُ الْمُنْكَرِ.
وخَرَّجَه ابنُ سعدٍ في (طَبقاتِه) بمعناه.
وحكى أبو عُبيدٍ في معنى الحديثِ قولًا آخَرَ حكاهُ عن جَريرٍ، قالَ: معناه: أن يُريدَ الرجلُ أن يَعملَ الخيرَ، فيَدَعَهُ حياءً مِن النَّاسِ كأنه يَخافُ الرِّياءَ، يقولُ: فلا يَمْنَعَنَّكَ الحياءُ مِنَ الْمُضِيِّ لِمَا أَرَدْتَ، كما جاءَ في الحديثِ: (( إِذَا جَاءَكَ الشَّيْطَانُ وَأَنْتَ تُصَلِّي، فَقالَ: إِنَّكَ تُرَائِي، فَزِدْهَا طُولًا ) )ثم قالَ أبو عُبيدٍ: وهذا الحديثُ ليس يَجِيءُ سِياقُه ولا لفظُهُ على هذا التَّفسيرِ، ولا على هذا يَحْمِلُه النَّاسُ.
قلتُ: لو كان على ما قالَه جَريرٌ، لكان لفظُ الحديثِ: إذا اسْتَحْيَيْتَ مما لا يُسْتَحْيَى منه، فافعَلْ ما شئتَ، ولا يَخْفَى بُعْدُ هذا مِن لفظِ الحديثِ ومعناه، واللَّهُ أَعلمُ.
الحديثُ الحادي والعِشرونَ
عَنْ سُفيانَ بنِ عبدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، قُلْ لي في الإسلامِ قولًًا لا أَسألُ عَنْهُ أحدًا غَيرَكَ، قال: (( قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ ) )، رواهُ مُسلمٌ (2) .
(2) هذا الحديثُ خَرَّجَه مسلِمٌ مِن روايةِ هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن سُفيانَ، وسُفيانُ: هو ابنُ عبدِ اللَّهِ الثَّقفيُّ الطَّائفيُّ له صُحبةٌ، وكان عاملًا لعمرَ بنِ الْخَطَّابِ على الطَّائفِ.
وقد رُوِيَ عن سُفيانَ بنِ عبدِ اللَّهِ مِن وُجوهٍ أُخَرَ بزِياداتٍ، فخَرَّجَه الإمامُ أحمدُ، والتِّرمذيُّ وابنُ مَاجَه مِن روايةِ الزُّهريِّ، عن مُحَمَّدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ ماعِزٍ، وعندَ التِّرمذيِّ: عبدُ الرَّحمنِ بنُ ماعزٍ، عن سُفيانَ بنِ عبدِ اللَّهِ، قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ،