فهرس الكتاب
حَدِّثْني بِأَمْرٍ أَعْتَصِمُ بِهِ، قالَ: (( قُلْ: رَبِّيَ اللَّهُ، ثُمَّ اسْتَقِمْ ) ). قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، مَا أَخْوَفُ مَا تَخافُ عَلَيَّ؟ فَأَخَذَ بِلِسانِ نَفْسِهِ، ثُمَّ قالَ: (( هَذَا ) )، وقالَ التِّرمِذيُّ: حسَنٌ صحيحٌ.
وخَرَّجَه الإمامُ أحمدُ، والنَّسائيُّ مِن روايةِ عبدِ اللَّهِ بنِ سُفيانَ الثَّقفيِّ، عن أبيه، أنَّ رجلًا قالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مُرْنِي بِأَمْرٍ فِي الْإِسْلاَمِ لَا أَسْألُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ، قالَ: (( قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ ) ). قلتُ: فما أتَّقِي؟ فَأَوْمَأَ إِلَى لِسَانِهِ.
قولُ سُفيانَ بنِ عبدِ اللَّهِ للنَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"قُلْ لِي فِي الإسلامِ قَوْلًا لاَ أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَك". طَلَبَ منه أن يُعَلِّمَه كلامًا جامعًا لأمرِ الإسلامِ كافيًا حتى لا يَحتاجَ بعدَه إلى غيرِه، فقالَ له النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ ) )، وفي الرِّوايةِ الأُخرى: (( قُلْ: رَبِّيَ اللَّهُ، ثُمَّ اسْتَقِمْ ) ). هذا مُنتزَعٌ مِن قولِه عزَّ وجلَّ: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِروا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت: 30] ، وقولِه عزَّ وجلَّ: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. أُولئِكَ أصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِما كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأحقاف: 13] .
وخَرَّجَ النَّسائيُّ في (تفسيرِه) مِن روايةِ سُهيلِ بنِ أبي حَزْمٍ: حَدَّثَنا ثابتٌ، عن أَنَسٍ، أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قرأَ: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} فقالَ: (( قَدْ قَالَهَا النَّاسُ، ثُمَّ كَفَرُوا، فَمَنْ مَاتَ عَلَيْهَا فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِقامَةِ ) ). وخَرَّجَه التِّرمذيُّ، ولفظُه: فقالَ: (( قَدْ قَالَهَا النَّاسُ، ثُمَّ كَفَرَ أَكْثَرُهُمْ، فَمَنْ مَاتَ عَلَيْهَا، فَهُو مِمَّنِ اسْتَقامَ ) )، وقالَ: حسَنٌ غريبٌ، وسُهيلٌ تُكُلِّمَ فيه مِن قِبَلِ حِفْظِه.
وقالَ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ في تفسيرِ: {ثُمَّ اسْتَقَامُوا} قالَ: لم يُشْرِكُوا باللَّهِ شيئًا. وعنه قالَ: لم يَلْتَفِتُوا إلى إلهٍ غيرِه. وعنه قالَ: ثم اسْتقامُوا على أنَّ اللَّهَ رَبُّهم. وعن ابنِ عبَّاسٍ بإسنادٍ ضعيفٍ، قالَ: هذه أَرْخَصُ آيةٍ في كتابِ اللَّهِ {قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} على شَهادةِ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ. ورُوِيَ نحوُه عن أَنَسٍ ومُجاهِدٍ والأسودِ بنِ هِلالٍ، وزيدِ بنِ أَسْلَمَ، والسُّدِّيِّ، وعِكرمةَ، وغيرِهم.
ورُويَ عن عمرَ بنِ الْخَطَّابِ أنه قَرأَ هذه الآيةَ على الْمِنبَرِ: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} ، فقالَ: لم يَرُوغُوا رَوَغَانَ الثَّعلبِ.
وروى عليُّ بنُ أبي طَلحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ في قولِه تعالى: {ثُمَّ اسْتَقَامُوا} قالَ: استقاموا على أداءِ فرائضِه.
وعن أبي العَاليةِ قالَ: ثمَّ أَخْلَصُوا له الدِّينَ والعملَ.
وعن قَتادةَ قالَ: استقاموا على طاعةِ اللَّهِ، وكان الحسَنُ إذا قرأَ هذه الآيةَ، قالَ: اللَّهمَّ أنتَ ربُّنا فارْزُقْنَا الاستقامةَ.
ولعلَّ مَن قالَ: إنَّ المرادَ الاستقامةُ على التَّوحيدِ إنما أرادَ التَّوحيدَ الكاملَ الذي يُحَرِّمُ صاحبَه على النَّارِ، وهو تحقيقُ معنى لا إلهَ إلا اللَّهُ؛ فإنَّ الإلهَ هو الذي يُطاعُ، فلا يُعْصَى خَشيةً وإجلالًا ومَهابةً ومَحَبَّةً ورَجاءً وتَوَكُّلًا ودُعاءً، والمعاصي كلُّها قادحةٌ في هذا التَّوحيدِ؛ لأنها إجابةٌ لداعِي الْهَوَى وهو الشَّيطانُ، قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الجاثية: 23] قالَ الحسَنُ وغيرُه: هو الذي لا يَهْوَى شيئًا إلَّا رَكِبَه، فهذا يُنافِي الاستقامةَ على التَّوحيدِ.
وأمَّا على روايةِ مَن رَوَى: (( قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ ) )، فالمعنى أَظهرُ؛ لأنَّ الإيمانَ يَدخلُ فيه الأعمالُ الصَّالحةُ عندَ السَّلَفِ ومَن تابَعَهم مِن أهلِ الحديثِ، وقالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [هود: 112] ، فأَمَرَه أن يَستقيمَ هو ومَن تابَ معه، وأن لاَ يُجاوِزُوا ما أُمِرُوا به، وهو الطُّغيانُ، وأَخْبَرَ أنه بصيرٌ بأعمالِهم، مُطَّلِعٌ عليها، وقالَ تعالى: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [الشورى: 15] . قالَ قَتادةُ: أُمِرَ محمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ