فهرس الكتاب
أن يَستقيمَ على أَمْرِ اللَّهِ. وقالَ الثَّوريُّ: على القرآنِ، وعن الحسَنِ، قالَ: لَمَّا نَزلتْ هذه الآيةُ شَمَّرَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فما رُئِيَ ضاحكًا. خَرَّجَه ابنُ أبي حاتمٍ. وذَكَرَ القُشَيْريُّ وغيرُه عن بعضِهم: أنه رأى النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الْمَنامِ، فقالَ له: يا رسولَ اللَّهِ ++قلتَ: (( شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَواتُهَا ) )، فما شَيَّبكَ منها؟ قالَ: قولُه: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} .
وقالَ عزَّ وجلَّ: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ} [فصلت: 6] .
وقد أَمَرَ اللَّهُ تعالى بإقامةِ الدِّينِ عُمومًا كما قالَ: {شَرَعَ لكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى:13] ، وأَمَرَ بإقامِ الصَّلاةِ في غيرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِه، كما أَمَرَ بالاستقامةِ على التَّوحيدِ في تلك الآيتينِ.
والاستقامةُ: هي سلوكُ الصِّراطِ المستقيمِ، وهو الدِّينُ القَيِّمُ مِن غيرِ تَعريجٍ عنه يَمْنَةً ولا يَسْرَةً، ويَشملُ ذلك فِعلَ الطَّاعاتِ كلِّها، الظَّاهرةِ والباطنةِ، وتَرْكَ الْمَنْهِيَّاتِ كلِّها كذلك، فصارتْ هذه الوَصِيَّةُ جامعةً لخِصالِ الدِّينِ كُلِّها.
وفي قولِه عزَّ وجلَّ: {فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ} إشارةٌ إلى أنه لا بُدَّ مِن تقصيرٍ في الاستقامةِ المأمورِ بها، فيُجْبَرُ ذلك بالاستغفارِ الْمُقْتَضِي للتَّوبةِ والرُّجوعِ إلى الاستقامةِ، فهو كقولِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمعاذٍ: (( اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا ) ). وقد أَخْبَرَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّ النَّاسَ لن يُطِيقُوا الاستقامةَ حقَّ الاستقامةِ، كما خَرَّجَه الإمامُ أحمدُ، وابنُ مَاجَه مِن حديثِ ثَوبانَ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ، ولا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ ) )، وفي روايةٍ للإمامِ أحمدَ: (( سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَلاَ يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ ) ).
وفي (الصَّحِيحَيْنِ) عن أبي هُريرةَ عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالَ (( سَدِّدُوا وَقَارِبُوا ) ).
فالسَّدادُ: هو حقيقةُ الاستقامةِ، وهو الإصابةُ في جميعِ الأقوالِ والأعمالِ والْمَقاصِدِ، كالذي يَرْمِي إلى غَرَضٍ، فيُصيبُه، وقد أَمَرَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليًّا أن يَسألَ اللَّهَ عزَّ وجلَّ السَّدادَ والْهُدى، وقالَ له: (( اذْكُرْ بِالسَّدَادِ تَسْدِيدَكَ السَّهْمَ، وَبِالْهُدَى هِدَايتَكَ الطَّرِيقَ ) ).
والمقارَبَةُ: أن يُصيبَ ما قَرُبَ مِنَ الغَرَضِ إذا لم يُصِبِ الغَرَضَ نفسَه، ولكن بشرْطِ أن يكونَ مُصمِّمًا على قَصْدِ السَّدادِ وإصابةِ الغَرَضِ، فتكونُ مُقارَبَتُه عن غيرِ عَمْدٍ، ويَدُلُّ عليه قولُ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديثِ الْحَكَمِ بنِ حَزْنٍ الكُلَفيِّ: (( أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ لَنْ تَعْمَلُوا -أَوْ لَنْ تُطِيقُوا- كُلَّ مَا أَمَرْتُكُمْ، وَلَكِنْ سَدِّدُوا وَأَبْشِرُوا ) )والمعنى: اقْصِدُوا التَّسديدَ والإصابةَ والاستقامةَ؛ فإنَّهم لو سَدَّدُوا في العملِ كلِّه، لكانوا قد فَعَلُوا ما أُمِرُوا به كُلِّه.
فأصلُ الاستقامةِ استقامةُ القلبِ على التَّوحيدِ، كما فَسَّرَ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ وغيرُه قولَه: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [الأحقاف:13] بأنهم لم يَلتَفِتُوا إلى غيرِه، فمتى استقامَ القلبُ على مَعْرِفَةِ اللَّهِ، وعلى خَشيتِه، وإجلالِه، ومَهابَتِه، ومَحَبَّتِه، وإرادتِه، ورَجائِه، ودُعائِه، والتوكُّلِ عليه، والإِعراضِ عمَّا سواه، استقامَتِ الجوارحُ كلُّها على طاعتِه؛ فإنَّ القلبَ هو مَلِكُ الأعضاءِ، وهي جُنودُه، فإذا استقامَ الْمَلِكُ، استقامَتْ جُنودُه ورَعاياهُ، وكذلك فُسِّر قولُه تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا} [الروم: 30] بإخلاصِ القَصْدِ للهِ وإرادتِه وَحْدَه لا شَريكَ له.
وأَعظَمُ ما يُراعَى استقامتُه بعدَ القلبِ مِنَ الجوارحِ اللسانُ، فإنَّه تَرْجُمَانُ القلبِ والْمُعَبِّرُ عنه، ولهذا لَمَّا أمرَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالاستقامةِ، وَصَّاه بعدَ ذلك بحِفْظِ لسانِه، وفي (مُسنَدِ الإمامِ أحمدَ) عن أَنَسٍ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالَ: (( لاَ يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلاَ يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ ) ). وفي (التِّرْمِذيِّ) عن أبي سعيدٍ الْخُدْريِّ مَرفوعًا