الصفحة 174 من 391

والمرادُ بالتَّحليلِ والتَّحريمِ: فعلُ الحلالِ واجتنابُ الحرامِ، كما ذُكِرَ في هذا الحديثِ. وقد قالَ اللَّهُ في حقِّ الكُفَّارِ الذين كانوا يُغَيِّرون تحريمَ الشُّهورِ الحُرُمِ: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ} [التوبة: 37] ، والمرادُ: أنَّهم كانوا يُقاتِلونَ في الشَّهرِ الحرامِ عامًا، فيُحِلُّونه بذلك، ويَمتنعونَ مِن القتالِ فيه عامًا، فيُحرِّمونَهُ بذلك.

وقالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلاَلًا طَيِّبًا} [المائدة: 88 - 89] وهذه الآيةُ نَزلتْ بسببِ قومٍ امْتَنَعوا مِن تَناوُلِ بعضِ الطَّيِّباتِ زُهْدًا في الدُّنيا وتَقَشُّفًا، وبعضُهم حَرَّمَ ذلك على نفسِه، إمَّا بيمينٍ حَلَفَ بها، أو بتحريمِه على نفسِه، وذلك كُلُّه لا يُوجِبُ تحريمَه في نفسِ الأمرِ، وبعضُهم امْتَنَعَ منه مِن غيرِ يمينٍ ولا تحريمٍ، فسمَّى الجميعَ تحريمًا، حيث قَصَدَ الامتناعَ منه إضرارًا بالنَّفْسِ، وكَفًّا لها عن شَهواتِها. ويُقالُ في الأمثالِ: فلانٌ لا يُحلِّلُ ولا يُحَرِّمُ، إذا كان لا يَمتنعُ مِن فعلِ حرامٍ، ولا يَقِفُ عندَ ما أُبيحَ له، وإن كان يَعتقدُ تحريمَ الحرامِ، فيَجعلون مَن فَعَلَ الحرامَ ولا يَتحاشَى منه مُحلِّلًا له، وإن كان لا يَعتقدُ حِلَّهُ.

وبكلِّ حالٍ، فهذا الحديثُ يَدلُّ على أنَّ مَن قامَ بالواجباتِ، وانتهى عن المحرَّماتِ، دَخَلَ الجنَّةَ، وقد تواترتِ الأحاديثُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهذا المعنى، أو ما هو قريبٌ منه، كما خَرَّجَه النَّسائيُّ، وابنُ حِبَّانَ، والحاكمُ مِن حديثِ أبي هُريرةَ وأبي سعيدٍ عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( مَا مِنْ عَبْدٍ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَيَصُومُ رَمَضَانَ، وَيُخْرِجُ الزَّكَاةَ، وَيَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ السَّبْعَ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوابُ الْجَنَّةِ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ ) )، ثم تلا: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائرَ مَا تُنْهَونَ عَنْه نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ} [النساء: 31] .

وخَرَّجَ الإمامُ أحمدُ والنَّسائيُّ مِن حديثِ أبي أيُّوبَ الأنصاريِّ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( مَنْ عَبَدَ اللَّهَ، لاَ يُشْرِكُ بِهِ، وَأَقَامَ الصَّلاَةَ، وَآتَى الزَّكَاةَ، وَصَامَ رَمَضَانَ، وَاجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ، فَلَهُ الْجَنَّةُ - أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ- ) ).

وفي (المسنَدِ) عن ابنِ عبَّاسٍ، أنَّ ضِمَامَ بنَ ثَعلبةَ وفَدَ على النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فذَكَرَ له الصَّلواتِ الخمْسَ، والصِّيامَ، والزَّكاةَ، والْحَجَّ، وشرائعَ الإسلامِ كلَّها، فلَمَّا فَرَغَ، قالَ: أَشَهْدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللَّهِ، وَسَأُؤَدِّي هَذِهِ الفَرائِضَ، وَأَجْتَنِبُ مَا نَهَيْتَنِي عَنْهُ، لاَ أَزِيدُ وَلاَ أَنْقُصُ، فقالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنْ صَدَقَ دَخَلَ الْجَنَّةَ ) ). وخَرَّجَه الطَّبرانيُّ مِنْ وَجهٍ آخَرَ، وفي حديثِه، قالَ: وَالخَامِسَةُ لا أَرَبَ لي فيها -يعني الفواحشَ- ثم قالَ: لَأَعْمَلَنَّ بها، وَمَنْ أَطَاعَنِي، فقالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَئِنْ صَدَقَ، لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ ) ).

وفي (صحيحِ البخاريِّ) ، عن أبي أيُّوبَ أنَّ رجلًا قالَ للنبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَخْبِرْني بِعَمَلٍ يُدْخِلُني الجَنَّةَ، قالَ: (( تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ، وَتُؤتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ ) )، وخَرَّجَه مسلمٌ إلَّا أنَّ عندَه أنه قالَ: أَخْبِرْنِي بعملٍ يُدْنِينِي مِن الجنَّةِ ويُباعِدُني مِن النَّارِ. وعندَه في روايةٍ: فلَمَّا أَدبرَ قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنْ تَمَسَّكَ بِمَا أُمِرَ بِهِ، دَخَلَ الْجَنَّةَ ) ).

وفي (الصَّحِيحَيْنِ) عن أبي هُريرةَ أنَّ أَعرابيًّا قالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، دُلَّنِي على عملٍ إِذا عَمِلْتُه دَخَلْتُ الجَنَّةَ، قالَ: (( تَعْبُدُ اللَّهَ لاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ ) )، قالَ: وَالذي بَعَثَكَ بِالحقِّ، لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذا شَيْئًا أَبَدًا وَلا أَنْقُصُ مِنْهُ. فَلَمَّا وَلَّى، قالَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت