الصفحة 175 من 391

وفي (الصَّحِيحَيْنِ) عن طَلحةَ بنِ عُبَيدِ اللَّهِ أنَّ أَعرابيًّا جاءَ إلى رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثائرَ الرَّأسِ، فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي ماذا فَرَضَ اللَّهُ عليَّ مِن الصَّلاةِ؟ فقالَ: (( الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا ) )، فَقالَ: أَخْبِرنِي بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصِّيامِ؟ فقالَ: (( شَهْرَ رَمَضَانَ، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا ) )فقالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكاةِ؟ فَأَخْبَرَهُ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَرَائعِ الإِسلامِ، فقالَ: وَالَّذي أَكْرَمَكَ بِالحقِّ، لاَ أَتَطَوَّعُ شَيْئًا وَلا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا. فَقالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ -أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ- ) )ولفظُه للبخاريِّ.

وفي (صحيحِ مسلِمٍ) عن أَنَسٍ أنَّ أَعرابيًّا سألَ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذَكَرَه بمعناه، وزادَ فيه: (( حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ) )فقالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحقِّ لاَ أَزيدُ عَلَيْهِنَّ وَلا أَنْقُصُ منْهُنَّ، فقالَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَئِنْ صَدَقَ، لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ ) ).

ومُرادُ الأعرابيِّ أنه لا يَزيدُ على الصَّلاةِ المكتوبةِ، والزَّكاةِ المفروضةِ، وصِيامِ رَمضانَ، وحَجِّ البيتِ شيئًا مِن التَّطوُّعِ، ليس مُرادُه أنه لا يَعملُ بشيءٍ مِن شرائعِ الإسلامِ ووَاجباتِه غيرَ ذلك، وهذه الأحاديثُ لم يَذْكُرْ فيها اجتنابَ الْمُحرَّماتِ؛ لأنَّ السَّائلَ إنما سألَه عَنِ الأعمالِ التي يَدْخُلُ بها عامِلُها الجنةَ. وخرَّج التِّرمذيُّ مِن حديثِ أبي أُمامةَ، قالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ في حَجَّةِ الوداعِ يقولُ: (( أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا اللَّهَ، وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ، وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ، وَأَطِيعُوا ذَا أَمْرِكُمْ، تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ ) )وقالَ: حسَنٌ صحيحٌ، وخَرَّجَه الإِمامُ أحمدُ، وعندَه: (( اعْبُدُوا رَبَّكُمْ ) )بَدَلَ قولِه: (( اتَّقُوا اللَّهَ ) ). وخَرَّجَه بَقِيُّ بنُ مَخْلَدٍ في (مُسنَدِه) مِن وجهٍ آخَرَ، ولفظُ حديثِه: (( صَلُّوا خَمْسَكُمْ، وَصُومُوا شَهْرَكمُ، وَحُجُّوا بَيْتَكُمْ، وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُم، طَيِّبَةً بِهَا أَنْفُسُكُمْ، تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمُ ) ).

وخَرَّجَ الإِمامُ أحمدُ بإسنادِه عن ابنِ الْمُنْتَفِقِ، قالَ: أَتيتُ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو بعَرفاتٍ، فقلتُ: ثِنتانِ أسألُك عنهما: ما يُنْجِينِي مِن النَّارِ، وما يُدْخِلُني الجنَّةَ؟ قالَ: (( لَئِنْ كُنْتَ أَوْجَزْتَ فِي الْمَسْأَلَةِ، لَقَدْ أَعْظَمْتَ وَأَطْوَلْتَ، فَاعْقِلْ عَنِّي إِذَنْ: اعْبُدِ اللَّهَ لاَ تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَأَقِمِ الصَّلاَةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَأَدِّ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَصُمْ رَمَضَانَ، وَمَا تُحِبُّ أَنْ يَفْعَلَهُ بِكَ النَّاسُ، فَافعَلْهُ بِهِم، وَمَا تَكْرَهُ أَنْ يَأْتِيَ إِلَيْكَ النَّاسُ، فَذَرِ النَّاسَ مِنْهُ ) ).

وفي روايةٍ له أيضًا قالَ: (( اتَّقِ اللَّهَ، وَلاَ تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَلَمْ تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ ) )وقيلَ: إنَّ هذا الصَّحابيَّ هو وافدُ بَنِي الْمُنْتَفِقِ، واسمُه لقيطٌ.

فهذه الأعمالُ أسبابٌ مُقتضيةٌ لدُخولِ الجنَّةِ، وقد يكونُ ارتكابُ المُحرَّماتِ مَوانعَ، ويَدُلُّ على هذا ما خَرَّجَه الإمامُ أحمدُ مِن حديثِ عمرِو بنِ مُرَّةَ الْجُهَنِيِّ، قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، شَهِدْتُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأنَّكَ رَسولُ اللَّهِ، وَصَلَّيتُ الخَمْسَ، وَأدَّيْتُ زَكاةَ مالِي، وَصُمْتُ شَهْرَ رَمَضانَ، فَقالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ مَاتَ عَلَى هَذَا، كَانَ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَكَذَا -ونَصَبَ إِصْبَعَيْهِ- مَا لَمْ يَعُقَّ وَالِدَيْهِ ) ).

وقد وَرَدَ تَرتُّبُ دُخولِ الجنَّةِ على فعلِ بعضِ هذه الأعمالِ كالصَّلاةِ، ففي الحديثِ المشهورِ: (( مَنْ صَلَّى الصَّلَواتِ لِوَقْتِهَا، كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ ) ).

وفي الحديثِ الصَّحيحِ: (( مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ ) )، وهذا كلُّه مِن ذكرِ السَّببِ الْمُقتضِي الذي لا يَعملُ عَمَلَه إلا باستجماعِ شُروطِه، وانتفاءِ مَوانِعِه؛ ويَدُلُّ على هذا ما خَرَّجَه الإمامُ أحمدُ عن بَشيرِ بنِ الْخَصاصِيَةِ، قالَ: أتيتُ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأُبايِعَه، فشَرَطَ عَلَيَّ شَهادةَ أن لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُه، وَأَنْ أُقِيمَ الصَّلاةَ، وَأَنْ أُوتِيَ الزَّكَاةَ، وَأَنْ أَحُجَّ حَجَّةَ الإِسلامِ، وَأَنْ أَصومَ رَمَضَانَ، وَأَنْ أُجاهِدَ فِي سَبيلِ اللَّهِ، فقلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ أَمَّا اثْنَتانِ فَوَاللَّهِ ما أُطيقُهُما: الجِهادُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت