الصفحة 176 من 391

وَالصَّدَقَةُ، فَقَبَضَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهَ، ثُمَّ حَرَّكَها، وقالَ: (( فَلَا جِهَادَ وَلَا صَدَقَةَ؟ فَبِمَ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِذًا؟ ) )قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أَنا أُبايعُك، فَبَايَعْتُهُ عَلَيْهِنَّ كُلِّهنَّ. ففي هذا الحديثِ أنه لا يَكفِي في دخولِ الجنَّةِ هذه الْخِصالُ بدونِ الزَّكاةِ والْجِهادِ.

وقد ثَبَتَ في الأحاديثِ الصَّحيحةِ أنَّ ارتكابَ بعضِ الكبائرِ يَمنعُ دُخولَ الجنَّةِ، كقولِه: (( لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ ) )، وقولِه: (( لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ ) )وقولِه: (( لاَ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤمِنُوا، وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا ) )والأحاديثُ التي جاءتْ في مَنْعِ دُخولِ الجنَّةِ بالدَّيْنِ حتى يُقْضَى، وفي الصَّحيحِ: (( أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا جَازُوا الصِّرَاطَ، حُبِسُواَ عَلَى قَنْطَرَةٍ يُقْتَصُّ مِنْهُمْ مَظَالِمُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا ) ).

وقالَ بعضُ السَّلَفِ: إنَّ الرجلَ ليُحبَسُ على بابِ الجنَّةِ مِائةَ عامٍ بالذَّنْبِ كان يَعْمَلُه في الدُّنيا. فهذه كُلُّها مَوَانِعُ.

ومِن هنا يَظهرُ معنى الأحاديثِ التي جاءتْ في ترتيبِ دُخولِ الجنَّةِ على مُجَرَّدِ التَّوحيدِ، ففي (الصَّحِيحَيْنِ) عن أبي ذَرٍّ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ ) )، قلتُ: وَإِنْ زَنى وَإِنْ سَرَقَ؟! قالَ: (( وَإِنْ زَنى وَإِنْ سَرَقَ ) )، قالَها ثلاثًا، ثم قالَ في الرَّابعةِ: (( عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ ) )، فخَرَجَ أبو ذرٍّ وهو يقولُ: وإن رَغِمَ أَنْفُ أبي ذَرٍّ.

وفيهما عن عُبادةَ بنِ الصامتِ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( مَنْ شَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الْجنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ ) ).

وفي (صحيحِ مُسلمٍ) عن أبي هريرةَ أو أبي سعيدٍ -بالشَّكِّ- عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قالَ: (( أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، لاَ يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ، فيُحْجَبَ عَنِ الْجَنَّةِ ) ).

وفيه عن أبي هُريرةَ، أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ له يومًا: (( مَنْ لَقِيتَ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ، فَبِشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ ) )وفي المعنى أحاديثُ كثيرةٌ جِدًّا.

وفي (الصَّحِيحَيْنِ) عن أنَسٍ، أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ يومًا لِمُعاذٍ: (( مَا مِنْ عَبْدٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسولُهُ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ ) ).

وفيهما عن عِتبانَ بنِ مالكٍ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ ) ).

فقالَ طائفةٌ مِن العُلماءِ: إنَّ كلمةَ التَّوحيدِ سببٌ مُقْتَضٍ لدخولِ الجنَّةِ وللنَّجاةِ مِنَ النَّارِ، لكن له شروطٌ، وهي الإِتيانُ بالفرائضِ، وموانعُ وهي إتيانُ الكبائرِ. قالَ الحسَنُ للفَرزدقِ: إنَّ للا إلهَ إلا اللَّهُ شُروطًا، فإيَّاكَ وقَذفَ الْمُحْصَنَةِ. ورُويَ عنه أنه قالَ: هذا العمودُ، فأينَ الطُّنُبُ، يعني: أنَّ كلمةَ التَّوحيدِ عمودُ الفُسطاطِ، ولكن لا يَثْبُتُ الفُسطاطُ بدون أَطنابِه، وهي فِعْلُ الواجباتِ، وتَرْكُ المحرَّماتِ. وقيلَ للحَسَنِ: إنَّ ناسًا يَقولونَ: مَن قالَ: لا إلهَ إلا اللَّهُ، دَخَلَ الجنَّةَ، فقالَ: مَن قالَ: لا إلهَ إلا اللَّهُ فأدَّى حَقَّها وفَرْضَها، دَخَلَ الْجَنَّةَ.

وقيلَ لوَهْبِ بنِ مُنبِّهٍ: أليس لا إلهَ إلا اللَّهُ مِفتاحَ الجنَّةِ؟ قالَ: بلى، ولكن ما مِن مِفتاحٍ إِلا وله أَسَنانٌ، فإن جئتَ بِمِفتاحٍ له أسنانٌ، فُتِحَ لك، وإلَّا لم يُفْتَحْ لك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت