فهرس الكتاب
ويُشْبِهُ هذا ما رُوِيَ عن ابنِ عمرَ أنَّه سُئِلَ عن لا إلهَ إلا اللَّهُ: هل يَضُرُّ معها عَمَلٌ، كما لا يَنفعُ مع تَرْكِها عملٌ؟ فقالَ ابنُ عمرَ: عِشْ ولا تَغْتَرَّ.
وقالَتْ طائفةٌ - منهم الضَّحَّاكُ والزُّهريُّ: كان هذا قبلَ الفرائضِ والحدودِ، فمِنْ هؤلاءِ مَنْ أشارَ إلى أنها نُسِخَتْ، ومنهم مَن قالَ: بل ضُمَّ إليها شروطٌ زِيدتْ عليها، وزيادةُ الشَّرطِ هلِ هي نَسخٌ أمْ لا؟ فيه خِلافٌ مَشهورٌ بينَ الأُصُولِيِّينَ، وفي هذا كلِّه نَظرٌ؛ فإنَّ كثيرًا مِنْ هذه الأحاديثِ متَأَخِّرٌ بعدَ الفرائضِ والحدودِ.
وقالَ الثَّوْريُّ: نَسَخَتْها الفرائضُ والحدودُ، فيُحْتَمَلُ أن يكونَ مرادُه ما أرادَه هؤلاءِ، ويُحْتَمَلُ أن يكونَ مرادُه أنَّ وُجوبَ الفرائضِ والحدودِ تَبيَّنَ بها أن عقوباتِ الدُّنْيا لا تَسقُطُ بِمُجَرَّدِ الشَّهادَتَيْنِ، فكذلك عُقوباتُ الآخِرَةِ، ومِثلُ هذا البيانِ وإزالةِ الإيهامِ كان السَّلفُ يُسَمُّونه نَسْخًا، وليس هو بنَسْخٍ في الاصطلاحِ المشهورِ.
وقالَتْ طَائفةٌ: هذه النُّصوصُ الْمُطْلَقَةُ جاءتْ مُقَيَّدَةً بأنْ يَقولَها بصِدقٍ وإخلاصٍ، وإخلاصُها وصِدْقُها يَمْنَعُ الإِصرارَ معها على مَعصيةٍ.
وجاءَ مِن مَراسيلِ الحسَنِ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ قالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا دَخَلَ الْجَنَّةَ ) )قيلَ: وَمَا إِخْلاصُها؟ قالَ: (( أَنْ تَحْجِزَكَ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ ) ). ورُوِيَ ذلك مُسْنَدًا مِن وُجوهٍ أُخَرَ ضَعيفةٍ.
ولعلَّ الحسَنَ أشارَ بكلامِه الذي حَكيناهُ عنه مِن قبلُ إلى هذا فإنَّ تَحَقُّقَ القلبِ بمعنى (لاَ إلهَ إلا اللَّهُ) وصِدْقَه فيها، وإخلاصَه بها يَقتضِي أن يَرْسَخَ فيه تألُّهُ اللَّهِ وحدَه، إجلالًا، وهَيْبَةً، ومَخافةً، ومَحَبَّةً، ورَجاءً، وتَعظيمًا، وتَوَكُّلًا، ويَمْتَلِئَ بذلك، ويَنتفيَ عنه تَأَلُّهُ ما سواه مِن المخلوقينَ، ومتى كان كذلك لم يَبْقَ فيه مَحَبَّةٌ، ولا إرادةٌ، ولا طَلَبٌ لغيرِ ما يُريدُهُ اللَّهُ ويُحِبُّه ويَطلبُه، ويَنتفِي بذلك مِنَ القلبِ جميعُ أهواءِ النُّفوسِ وإراداتِها، ووَساوسِ الشَّيطانِ، فمَن أحبَّ شيئًا وأطاعَه، وأَحَبَّ عليه وأَبْغَضَ عليه، فهو إلَهُهُ، فمَن كان لا يُحِبُّ ولا يُبْغِضُ إلا للهِ، ولا يُوالِي ولا يُعادِي إلَّا لَهُ، فاللَّهُ إلَهُهُ حقًّا، ومَن أَحَبَّ لِهَواه، وأَبْغَضَ له، ووَالَى عليه، وعَادَى عليه، فإلَهُه هَواهُ، كما قالَ تعالى: {أَفرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الجاثية: 23] قالَ الحسَنُ: هو الذي لا يَهْوَى شيئًا إلا رَكِبَه. وقالَ قَتادةُ: هو الذي كُلَّمَا هَوِيَ شيئًا رَكِبَه، وكُلَّما اشْتَهَى شيئًا أَتاهُ، لا يَحْجِزُه عن ذلك وَرَعٌ ولا تَقْوَى. ويُرْوَى مِن حديثِ أبي أُمامةَ مَرفوعًا: (( مَا تَحْتَ ظِلِّ السَّمَاءِ إِلَهٌ يُعْبَدُ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ هَوًى مُتَّبَعٍ ) ).
وكذلك مَنْ أطاعَ الشيطانَ فِي مَعصيةِ اللَّهِ، فقد عَبَدَه، كما قالَ عزَّ وجلَّ: {أَلمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أنْ لاَ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [يس:60] .
فتَبيَّنَ بهذا أنَّه لا يَصِحُّ تحقيقُ معنى قولِ: لا إلهَ إلا اللَّهُ، إلَّا لِمَن لم يكنْ في قلبِه إصرارٌ على مَحَبَّةِ ما يَكْرَهُه اللَّهُ، ولا على إرادةِ ما لا يُريدُه اللَّهُ، ومتى كان في القلبِ شيءٌ مِنْ ذلك، كان ذلك نَقْصًا في التَّوحيدِ، وهو مِنْ نوعِ الشِّركِ الْخَفِيِّ.
ولهذا قالَ مُجاهدٌ في قولِه تعالى: {لاَ تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا} [الأنعام: 151] قالَ: لا تُحِبُّوا غَيْرِي.
وفي (صحيحِ الحاكمِ) عن عائشةَ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( الشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ الذَّرِّ عَلَى الصَّفَا فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ، وَأَدْنَاهُ أَنْ تُحِبَّ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْجَوْرِ، وَتُبْغِضَ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْعَدْلِ، وَهَلِ الدِّينُ إِلَّا الْحُبُّ وَالْبُغْضُ؟ ) )قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] . وهذا نصٌّ في أنَّ مَحَبَّةَ ما يَكرهُه اللَّهُ، وبُغْضَ ما يُحِبُّه مُتابعةٌ للْهَوَى، والموالاةُ على ذلك والْمُعاداةُ عليه مِن الشِّرْكِ الْخَفِيِّ.
وخَرَّجَ ابنُ أبي الدُّنيا مِن حديثِ أَنَسٍ مَرفوعًا: (( لاَ تَزَالُ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تَمْنَعُ الْعِبَادَ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، مَا لَمْ يُؤْثِرُوا دُنْيَاهُمْ عَلَى صَفْقَةِ دِينِهِمْ، فَإِذَا آثَرُوا صَفْقَةَ دُنْيَاهُمْ عَلَى دِينِهِمْ، ثُمَّ قَالُوا: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رُدَّتْ عَلَيْهِم، وَقالَ اللَّهُ: كَذَبْتُمْ ) ).