الصفحة 179 من 391

سَلامٍ أَعْلَمُ بحديثِ أخيهِ زيدٍ مِن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، ويُقَوِّي ذلك أنه قد رُوِيَ عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ غَنْمٍ، عن أبي مالكٍ مِن وجهٍ آخَرَ، وحينئذٍ فتكونُ روايةُ مسلمٍ مُنْقَطِعَةً.

وفي حديثِ مُعاويةَ بعضُ المخالَفَةِ لحديثِ يحيى بنِ أبي كثيرٍ؛ فإنَّ لفظَ حديثِه عندَ ابنِ مَاجَه: (( إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ شَطْرُ الْإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مِلْءُ الْمِيزَانِ، وَالتَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ مِلْءُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَالصَّلاَةُ نُورٌ، وَالزَّكَاةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا، أَوْ مُوبِقُهَا ) ).

وخَرَّجَ التِّرمذيُّ حديثَ يحيى بنِ أبي كثيرٍ الذي خَرَّجَه مسلمٌ، ولفظُ حديثِه: (( الْوُضُوءُ شَطْرُ الْإِيمَانِ ) )، وباقي حديثِه مِثلُ سياقِ مسلِمٍ.

وخَرَّجَ الإِمامُ أحمدُ والتِّرمذيُّ مِن حديثِ رجُلٍ مِن بني سُلَيْمٍ، قالَ: عَدَّهُنَّ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم في يَدِي أو في يَدِه: (( التَّسْبِيحُ نِصْفُ الْمِيزَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَؤُهُ، وَالتَّكْبِيرُ يَمْلأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَالصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ، وَالطُّهُورُ نِصْفُ الْإِيمَانِ ) ).

فقولُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: (( الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ ) )فَسَّرَ بعضُهم الطُّهورَ هاهنا بتَرْكِ الذُّنوبِ، كما في قولِه تعالى: {إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [الأعراف: 82] ، وقولِه: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] ، وقولِه: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222] .

وقالَ: الإِيمانُ نوعان: فعلٌ وتَرْكٌ، فنصفُه: فعلُ المأموراتِ، ونصفُه: تركُ المحظوراتِ، وهو تَطهيرُ النَّفسِ بتَرْكِ المعاصي، وهذا القولُ مُحْتَمَلٌ لولا أنَّ روايةَ (( الْوُضُوءُ شَطْرُ الْإِيمَانِ ) )تَرُدُّه، وكذلك روايةُ (( إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ ) ).

وأيضًا، ففيه نظرٌ مِن جِهةِ المعنى؛ فإنَّ كثيرًا مِن الأعمالِ تُطَهِّرُ النَّفسَ مِنَ الذُّنوبِ السَّابقةِ، كالصَّلاةِ، فكيفَ لا تَدخلُ في اسمِ الطُّهورِ، ومتى دَخَلَت الأعمالُ، أو بعضُها، في اسمِ الطُّهورِ، لم يَتحقَّقْ كونُ تَرْكِ الذُّنوبِ شَطْرَ الإِيمانِ.

والصَّحيحُ الذي عليه الأكثرون: أنَّ المرادَ بالطُّهورِ هاهنا: التَّطهُّرُ بالماءِ مِن الأحداثِ، وكذلك بَدَأَ مسلِمٌ بتَخريجِه في أبوابِ الوضوءِ، وكذلك خَرَّجَه النَّسائيُّ وابنُ مَاجَه وغيرُهما، وعلى هذا فاخْتَلَفَ النَّاسُ في معنَى كونِ الطُّهورِ بالماءِ شَطْرَ الإيمانِ.

فمنهم مَن قالَ: المرادُ بالشَّطْرِ: الجزءُ، لا أنه النِّصفُ بعينِه، فيكونُ الطُّهورُ جُزءًا مِنَ الإيمانِ، وهذا فيه ضعْفٌ؛ لأنَّ الشَّطرَ إنَّما يُعْرَفُ استعمالُه لغةً في النِّصفِ، ولأنَّ في حديثِ الرَّجُلِ مِن بني سُليمٍ: (( الطُّهُورُ نِصْفُ الْإِيمَانِ ) )كما سَبَقَ.

ومنهم مَن قالَ: المعنى أنه يُضاعَفُ ثوابُ الوُضوءِ إلى نِصفِ ثوابِ الإيمانِ، لكن مِن غيرِ تَضعيفٍ، وفي هذا نَظرٌ، وبُعْدٌ.

ومنهم مَن قالَ: الإِيمانُ يُكَفِّرُ الكبائرَ كلَّها، والوُضوءُ يُكَفِّرُ الصَّغائرَ، فهو شَطْرُ الإِيمانِ بهذا الاعتبارِ، وهذا يَرُدُّه حديثُ: (( مَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلاَمِ أُخِذَ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ) )وقد سَبَقَ ذِكْرُه.

ومنهم مَن قالَ: الوُضوءُ يُكفِّرُ الذُّنوبَ مع الإِيمانِ، فصار نِصفَ الإِيمانِ، وهذا ضعيفٌ.

ومنهم مَن قالَ: المرادُ بالإِيمانِ هاهنا: الصَّلاةُ، كما في قولِه عزَّ وجلَّ: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143] ، والمرادُ: صلاتَكم إلى بيتِ الْمَقْدِسِ، فإذا كان المرادُ بالإِيمانِ الصَّلاةَ، فالصَّلاةُ لا تُقْبَلُ إلا بطُهورٍ، فصار الطُّهورُ شَطرَ الصَّلاةِ بهذا الاعتبارِ، حكى هذا التَّفسيرَ محمدُ بنُ نصرٍ المَرْوَزِيُّ في (كتابِ الصَّلاةِ) عن إسحاقَ بنِ رَاهُويَهْ، عن يحيى بنِ آدمَ، وأنه قالَ في معنى قولِهم:"لا أَدْرِي": نصفُ العلمِ، إنَّ العِلْمَ إنما هو: أدري ولا أدري، فأَحَدُهما نِصفُ الآخَرِ.

قلتُ: كُلُّ شيءٍ كان تحتَه نوعان: فأحدُهما نصفٌ له، وسواءٌ كان عددُ النَّوعينِ على السَّواءِ، أو أحدُهما أَزيدُ مِن الآخَرِ، ويَدُلُّ على هذا حديثُ: (( قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ ) )والمرادُ: قراءةُ الصَّلاةِ، ولهذا فَسَّرَها بالفاتِحةِ، والمرادُ أنَّها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت