فهرس الكتاب
مَقسومةٌ للعِبادةِ والمسألةِ، فالعِبادةُ حقُّ الربِّ والمسألةُ حقُّ العبدِ، وليس المرادُ قِسمةَ كَلماتِها على السَّواءِ. وقد ذَكَرَ هذا الْخَطَّابِيُّ، واسْتَشْهَدَ بقولِ العربِ: نِصفُ السَّنَةِ سَفَرٌ، ونِصفُها حَضَرٌ، قالَ: وليس على تَساوِي الزَّمانينِ فيهما، لكنْ على انقسامِ الزَّمانينِ لهما، وإن تَفاوَتَتْ مُدَّتَاهُما، وبقولِ شُريحٍ - وقيلَ له: كيف أَصبحتَ؟ قالَ: أصبحتُ ونصفُ النَّاسِ عليَّ غَضبانُ. يُريدُ أنَّ النَّاسَ بينَ مَحكومٍ له ومحكومٍ عليه، فالمحكومُ عليه غَضبانُ، والمحكومُ له راضٍ عنه، فهما حِزبانِ مُختلِفان. ويقولُ الشاعرُ:
إذا مِتُّ كان النَّاسُ نِصفينِ: شامِتٌ بموتي ومُثْنٍ بالذي كنتُ أَفعلُ
ومُرادُه أنهم يَنقسمونَ قِسمَيْنِ.
قلتُ: ومِنْ هذا المعنى: حديثُ أبي هُريرةَ المرفوعُ في الفرائضِ: (( إِنَّهَا نِصْفُ الْعِلْمِ ) )خَرَّجَه ابنُ مَاجَه؛ فإنَّ أحكامَ الْمُكَلَّفينَ نوعانِ:
نوعٌ يَتعلَّقُ بالحياةِ، ونوعٌ يَتعلَّقُ بما بعدَ الموتِ، وهذا هو الفرائضُ. وقالَ ابنُ مسعودٍ: الفرائضُ ثلُثُ العلْمِ. ووجهُ ذلك الحديثُ الذي خَرَّجَه أبو دَاوُدَ وابنُ مَاجَه مِن حديثِ عبدِ اللَّه بنِ عمرٍو مَرفوعًا: (( الْعِلْمُ ثَلاَثَةٌ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ، فَهُوَ فَضْلٌ: آيَةٌ مُحْكَمَةٌ، أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ، أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ ) ).
ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنه قالَ: الْمَضْمَضَةُ والاستنشاقُ نصفُ الوُضوءِ، ولعلَّه أرادَ أنَّ الوُضوءَ قِسمان:
أحدُهما: مَذكورٌ في القرآنِ.
والثَّاني: مأخوذٌ مِن السُّنَّةِ، وهو الْمَضْمَضَةُ والاستنشاقُ، أو أرادَ أنَّ الْمَضمضةَ والاستنشاقَ يُطَهِّرُ باطنَ الجسدِ، وغَسْلَ سائرِ الأعضاءِ يُطَهِّرُ ظاهِرَه، فهما نِصفان بهذا الاعتبارِ، ومنه قولُ ابنِ مَسعودٍ: الصَّبرُ نصفُ الإِيمان واليقينُ الإيمانُ كلُّه. وجاءَ مِن روايةِ يَزيدَ الرَّقَاشيِّ عن أَنَسٍ مَرفوعًا: (( الْإِيمَانُ نِصْفَانِ: نِصْفٌ فِي الصَّبْرِ، وَنِصْفٌ فِي الشُّكْرِ ) )، فلمَّا كان الإِيمانُ يَشملُ فِعْلَ الواجباتِ، وتَرْكَ المحرَّماتِ، ولا يُنالُ ذلك كلُّه إلَّا بالصَّبرِ، كان الصَّبرُ نِصْفَ الإِيمانِ، فهكذا يُقالُ في الوُضوءِ: إنَّه نصفُ الصَّلاةِ.
وأيضًا فالصَّلاةُ تُكَفِّرُ الذُّنوبَ والخطايا بشَرْطِ إسباغِ الوُضوءِ وإحسانِه، فصارَ شَطْرَ الصلاةِ بهذا الاعتبارِ أيضًا، كما في (صحيحِ مُسْلِمٍ) عن عُثمانَ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، قالَ: (( مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَطَهَّرُ فَيُتِمُّ الطُّهُورَ الَّذِي كُتِبَ عَلَيْهِ، فَيُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهُنَّ ) ). وفي روايةٍ له: (( مَنْ أَتَمَّ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ، فَالصَّلَوَاتُ الْمَكْتُوبَاتُ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ ) ).
وأيضًا، فالصَّلاةُ مِفتاحُ الجنَّةِ، والوُضوءُ مِفتاحُ الصَّلاةِ، كما خَرَّجَه الإِمامُ أحمدُ والتِّرمذيُّ مِن حديثِ جابرٍ مَرفوعًا، وكلٌّ مِن الصَّلاةِ والوُضوءِ مُوجِبٌ لفتحِ أبوابِ الجنَّةِ، كما في (صحيحِ مسلمٍ) عن عُقبةَ بنِ عامرٍ، سَمِعَ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم يقولُ: (( مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، يُقْبِلُ عَلَيْهِما بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ، إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ ) )وعن عُقبةَ، عن عمرَ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، قالَ: (( مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ أَوْ يُسْبِغُ الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ ) ).
وفي (الصَّحِيحَيْنِ) عن عُبَادةَ، عنِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، قالَ: (( مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ، وَابْنُ أَمَتِهِ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الْجنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ مِنْ أيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ ) ).