الصفحة 181 من 391

فإذا كان الوُضوءُ مع الشَّهادتينِ مُوجِبًا لفتحِ أبوابِ الجنَّةِ، صارَ الوُضوءُ نِصفَ الإِيمانِ باللَّهِ ورسولِه بهذا الاعتبارِ.

وأيضًا، فالوُضوءُ مِن خِصالِ الإِيمانِ الْخَفِيَّةِ التي لا يُحافِظُ عليها إلَّا مُؤمنٌ، كما في حديثِ ثَوبانَ وغيرِه، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: (( لاَ يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ ) ). والغُسْلُ مِن الْجَنابةِ قد وَرَدَ أنَّه أداءُ الأمانةِ، كما خَرَّجَه العُقيليُّ مِن حديثِ أبي الدَّرْداءِ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم قالَ: (( خَمْسٌ مَنْ جَاءَ بِهِنَّ مَعَ إِيمَانٍ دَخَلَ الْجَنَّةَ: مَنْ حَافَظَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ؛ عَلَى وُضُوئِهِنَّ وَرُكُوعِهِنَّ وَسُجُودِهِنَّ وَمَوَاقِيتِهِنَّ، وَأَعْطَى الزَّكَاةَ مِنْ مَالِهِ طَيِّبَ النَّفْسِ بِهَا -قالَ: وَكَانَ يَقُولُ: وَايْمُ اللَّهِ، لاَ يَفْعَلُ ذَلِكَ إِلَّا مُؤْمِنٌ- وَصَامَ رَمَضَانَ، وَحَجَّ الْبَيْتَ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَأَدَّى الْأَمَانَةَ ) )قالُوا: يا أبا الدَّرْداءِ، وما أداءُ الأمانةِ؟ قالَ: (( الْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْتَمِنِ ابْنَ آدَمَ عَلَى شَيءٍ مِنْ دِينِهِ غَيْرَهَا ) ).

وخَرَّجَ ابنُ مَاجَه مِن حديثِ أبي أَيُّوبَ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، قالَ: (( الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ ) )، قيلَ: وما أداءُ الأمانةِ؟ قالَ: (( الْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ؛ فَإِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً ) )وحديثُ أبي الدَّرداءِ الذي قَبْلَه جَعَلَ فيه الوُضوءَ مِن أجزاءِ الصَّلاةِ.

وجاءَ في حديثٍ آخَرَ خَرَّجَه البَزَّارُ مِن رِوايةِ شَبابةَ بنِ سَوَّارٍ: حَدَّثنا الْمُغيرةُ بنُ مسلمٍ، عن الأعمشِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرةَ مَرفوعًا: (( الصَّلاَةُ ثَلاَثةُ أَثْلاَثٍ: الطُّهُورُ ثُلُثٌ، وَالرُّكُوعُ ثُلُثٌ، وَالسُّجُودُ ثُلُثٌ، فَمَنْ أَدَّاهَا بِحَقِّهِا، قُبِلَتْ مِنْهُ، وَقُبِلَ مِنْهُ سَائِرُ عَمَلِهِ، وَمَنْ رُدَّتْ عَلَيْهِ صَلاَتُهُ، رُدَّ عَلَيْهِ سَائِرُ عَمَلِهِ ) )وقالَ: تَفَرَّدَ به الْمُغيرةُ، والمحفوظُ عن أبي صالحٍ، عن كعبٍ مِن قولِه.

فعلى هذا التَّقسيمِ الوُضوءُ ثُلُثُ الصَّلاةِ، إلَّا أن يُجْعَلَ الرُّكوعُ والسُّجودُ كالشَّيءِ الواحدِ، لتقارُبِهما في الصُّورةِ، فيكونُ الوُضوءُ نصفَ الصَّلاةِ أيضًا.

ويُحْتَمَلُ أن يُقالَ: إنَّ خِصالَ الإِيمانِ مِن الأعمالِ والأقوالِ، كُلَّها تُطَهِّرُ القلبَ وتُزَكِّيهِ، وأَمَّا الطَّهَارةُ بالماءِ، فهي تَخْتَصُّ بتطهيرِ الجسدِ وتَنظيفِه، فصارتْ خِصالُ الإِيمانِ قِسمَيْنِ:

أحدُهما: يُطَهِّرُ الظَّاهرَ،

والآخرُ: يُطَهِّرُ الباطنَ، فهما نِصفان بهذا الاعتبارِ، واللَّهُ أَعلمُ بِمُرادِه ومُرادِ رسولِه في ذلك كُلِّه.

وقولُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: (( وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ واَلْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآنِ أَوْ تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) )فهذا شكٌّ مِن الرَّاوِي في لفظِه، وفي روايةِ النَّسائيِّ وابنِ مَاجَه: (( وَالتَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ مِلْءُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ) ). وفي حديثِ الرَّجُلِ مِن بني سُليمٍ: (( التَّسْبِيحُ نِصْفُ الْمِيزَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَؤُهُ، وَالتَّكْبِيرُ يَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ) ).

وخرَّجَ التِّرمذيُّ مِن حديثِ الإِفريقيِّ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ يَزيدَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم قالَ: (( التَّسْبِيحُ نِصْفُ الْمِيزَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَؤُهُ، وَلاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَيْسَ لَهَا دُونَ اللَّهِ حِجَابٌ حَتَّى تَصِلَ إِلَيْهِ ) )، وقالَ: ليس إسنادُه بالقويِّ. قلتُ: اختُلِفَ في إسنادِه على الإِفريقيِّ، فرُوِيَ عنه، عن أبي عَلقمةَ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، وفيه زيادةٌ: (( وَاللَّهُ أَكْبَرُ مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) ).

روى جَعْفَرٌ الفِرْيابيُّ في كتابِ (الذكْرِ) ، وغيرُه مِن حديثِ عليٍّ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم قالَ: (( الْحَمْدُ لِلَّهِ مِلْءُ الْمِيزَانِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ نِصْفُ الْمِيزَانِ، وَلاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ واللَّهُ أَكْبَرُ مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُنَّ ) ).

وخَرَّجَ الفريابيُّ أيضًا مِن حديثِ مُعاذِ بنِ جَبلٍ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم قالَ: (( كَلِمَتَانِ، إِحْدَاهُمَا مَنْ قالَهَا لَمْ يَكُنْ لَها نَاهِيَةٌ دُونَ الْعَرْشِ، وَالْأُخْرَى تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت